الرئسيةرأي/ كرونيك

رأيي..المغرب ليس غنيمة انتخابية

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يعود السؤال فيها متعلقا بمن يفوز في الانتخابات، ولا بمن يشكل الحكومة، ولا بعدد المقاعد التي تحصل عليها هذه القوة السياسية أو تلك، وإنما يصبح السؤال أكثر عمقاً وخطورة: ماذا بقي من السياسة نفسها؟ ولمن تُمارس؟ وما الذي تريده النخب السياسية من الدولة والمجتمع؟ وهل ما زالت المنافسة السياسية تدور حول مستقبل المغرب ومصالح المغاربة، أم أنها تحولت تدريجيا إلى صراع على المواقع والنفوذ والمصالح؟

لا أريد العودة هنا إلى شروط الانتخابات المغربية ولا إلى هندستها ولا إلى تفاصيل قوانينها وترتيباتها، لأن ذلك كله، مهما كانت أهميته، أصبح جزءا من سؤال أكبر.

فالمشكلة لم تعد في الانتخابات وحدها، وإنما في المسار الذي أوصلنا إلى وضع أصبحت فيه العملية السياسية، في جانب كبير منها، عاجزة عن إنتاج المعنى الذي يفترض أن تكون السياسة حاملة له.

كان للمغرب، في لحظة تأسيسه الوطني، معنى آخر للسياسة. فالحركة الوطنية التي قادت معركة الاستقلال لم تكن تخوض معركة حول مقاعد أو مواقع، وإنما كانت تتحرك داخل قضية وطنية كبرى تتعلق بتحرير البلاد واستعادة سيادتها والدفاع عن عودة محمد الخامس باعتبارها عنوانا للشرعية الوطنية في تلك المرحلة. ومن دون الدخول في تفاصيل هذه المرحلة وتعقيداتها، فإنها تظل شاهدة على زمن كانت فيه السياسة مرتبطة بقضية تتجاوز الأشخاص والأحزاب والمصالح الخاصة.

طريق مختلف…مؤسسات ديمقراطية تتجاوز الاشخاص

لكن المغرب، بعد الاستقلال، دخل في مسار آخر، وتطورت العلاقة بين الحركة الوطنية والملكية في اتجاهات صدامية معقدة، وجُربت أشكال متعددة من المعارضة والمواجهة والصراع السياسي.

ثم بدأت، داخل الحركة الديمقراطية واليسارية، مراجعات عميقة لمناهج الصراع وأدواته، وكان المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي سنة 1975 محطة أساسية في هذا التحول، قبل أن تتقاطع معه مراجعات لدى تنظيمات من اليسار الراديكالي، ومنها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي انخرطت بدورها في البحث عن طريق ديمقراطي ومؤسساتي جديد.

كان الرهان، في جوهره، هو فتح الطريق أمام السياسة لكي تصبح وسيلة لبناء الدولة الديمقراطية، وتوسيع المجال التشريعي والمؤسساتي، وإيجاد صيغة تسمح بتجاوز عقود الصراع نحو مرحلة جديدة.

جرت الانتخابات، وتوسعت المؤسسات، وتعددت الأحزاب، وظهرت صيغ جديدة للمشاركة، وجاء التناوب التوافقي باعتباره لحظة مهمة في تاريخ المغرب السياسي الحديث. وكان يمكن لهذا المسار أن يشكل بداية لتحول أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأن يجعل المؤسسات المنتخبة أكثر قدرة على إنتاج القرار، وأن يعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسة.

لكن ما حدث لاحقا يستحق أن نتوقف عنده طويلا

فمع مرور الوقت، بدأنا نبتعد عن السياسة باعتبارها صراعا حول المشاريع والتصورات والمستقبل، ونقترب من سياسة أخرى تقوم أكثر فأكثر على تدبير المواقع والحفاظ عليها.

وتحولت أجزاء من العمل الحزبي من فضاءات لإنتاج الأفكار والمشاريع إلى أجهزة انتخابية تبحث عن الاستمرار في المؤسسات. وأصبح الوصول إلى السلطة، في كثير من الأحيان، أهم من السؤال المتعلق بما الذي ينبغي فعله بهذه السلطة.

وهنا تحديداً يجب أن نقلب المثلث

فبدلاً من النظر إلى الانتخابات باعتبارها أصل المشكلة، ينبغي أن ننظر إلى العلاقة التي تشكلت بين المال والنفوذ والسياسة. المال يمكن أن ينتج النفوذ، والنفوذ يمكن أن يفتح الطريق إلى السياسة، والسياسة يمكن أن تمنح مواقع جديدة للنفوذ والمال. وعندما تصبح هذه الدائرة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، فإن الانتخابات تظل موجودة، والأحزاب تظل موجودة، والمؤسسات تظل موجودة، لكن السياسة نفسها تكون قد فقدت جزءاً كبيراً من معناها.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن يقلق عليه كل مغربي، بصرف النظر عن انتمائه السياسي أو موقفه من هذا الحزب أو ذاك.

لأن المغرب لا يمكن أن يتحول إلى مجرد ساحة تتنافس فيها شبكات المصالح على المواقع، ولا يمكن للدولة أن تتحمل إلى ما لا نهاية أن تصبح السياسة طريقاً إلى النفوذ الاقتصادي، أو أن يصبح النفوذ الاقتصادي وسيلة لإعادة إنتاج الحضور السياسي.

المشكلة ليست في وجود رجال أعمال في السياسة، ولا في أن تكون لأصحاب المال أدوارهم الطبيعية في الاقتصاد والمجتمع. المشكلة تبدأ عندما يصبح المال قادراً على التأثير في القرار السياسي خارج القواعد التي تحمي المصلحة العامة، وعندما يصبح الموقع السياسي وسيلة لحماية المصالح أو توسيعها، وعندما يصبح المواطن نفسه مجرد رقم انتخابي في معادلة أكبر منه.

عندها لا تعود المعركة بين اليسار واليمين، ولا بين هذا الحزب وذاك الحزب. تصبح المعركة بين تصورين للمغرب: تصور يرى الدولة والمجتمع والمؤسسات باعتبارها مجالاً لخدمة المصلحة العامة، وتصور آخر ينتهي، بوعي أو من دونه، إلى التعامل مع السياسة باعتبارها مجالاً لتوزيع النفوذ والمواقع والمصالح.

وهنا أعتقد أن علينا أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا

المغرب ليس في حاجة إلى انتخابات أكثر بقدر ما هو في حاجة إلى سياسة أكثر صدقاً. وليس في حاجة فقط إلى أحزاب أكثر عدداً، وإنما إلى أحزاب تستطيع أن تقول للمغاربة بوضوح أي مغرب تريد، وكيف ستبنيه، ومن أين ستأتي بموارده، وكيف ستواجه الفقر والبطالة والتعليم المتعثر وأزمة الصحة والماء والاختلالات المجالية، وكيف ستحمي المال العام، وكيف ستضمن تكافؤ الفرص، وكيف ستعيد للمواطن ثقته في المؤسسات.

نحتاج إلى إعادة السياسة إلى المجتمع، وإلى إعادة المؤسسات إلى وظيفتها، وإلى إعادة المال إلى مكانه الطبيعي، وإلى إعادة المسؤولية إلى معناها الحقيقي. نحتاج إلى أن يصبح المنصب العام مسؤولية وليس امتيازاً، وأن تصبح الانتخابات وسيلة لاختيار المشاريع والكفاءات، لا مجرد آلية لإعادة إنتاج الأشخاص والشبكات نفسها.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس أن تفشل حكومة أو يخسر حزب أو يفوز آخر. فهذه أمور طبيعية في الحياة السياسية. الخطر الحقيقي هو أن يفقد المواطن اقتناعه بأن السياسة يمكن أن تغير شيئاً، وأن يصبح الاعتقاد السائد هو أن النتائج محسومة خارج صناديق الاقتراع، وأن المال أقوى من البرنامج، وأن النفوذ أقوى من الكفاءة، وأن العلاقات أقوى من المؤسسات.

عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الخاسر لا يكون حزباً بعينه، وإنما تكون السياسة نفسها، وتكون الدولة أيضاً معرضة لخسارة جزء من رصيد الثقة الذي تحتاجه أكثر من أي وقت مضى.

ولهذا فإن إنقاذ المغرب من هذا المسار لا يمكن أن يكون فقط بإصلاح تقني لقانون الانتخابات، ولا بتغيير الأشخاص، ولا بإعادة ترتيب التحالفات. المطلوب هو إعادة بناء المعنى الوطني للسياسة. المطلوب أن نعيد إلى السياسة سؤالاً كان حاضراً بقوة في لحظات تأسيس المغرب الحديث: ماذا نريد لهذا البلد؟

نريد مغرباً تكون فيه الدولة قوية بمؤسساتها لا بأشخاصها، ويكون فيه الاقتصاد منتجاً للثروة والفرص لا منتجاً للنفوذ السياسي، وتكون فيه المنافسة الانتخابية تنافساً حول المشاريع لا حول القدرة على الإنفاق، وتكون فيه المؤسسات قادرة على حماية المواطن من تغول المصالح، ويكون فيه المسؤول السياسي خاضعاً للمحاسبة مثلما هو مستفيد من الشرعية.

هذه ليست مسألة يسار أو يمين، ولا قضية جيل ضد جيل، ولا معركة بين تيار وآخر. إنها مسألة وطنية بالدرجة الأولى.

لقد تغير المغرب كثيراً منذ معركة الاستقلال، وتغيرت النخب، وتغيرت الأحزاب، وتغيرت أشكال الصراع السياسي، لكن شيئاً واحداً ينبغي ألا يتغير: أن تظل السياسة في خدمة المغرب، لا أن يتحول المغرب إلى مادة للصراع السياسي.

ذلك مرة أخرى هو قلب المثلث الذي ينبغي أن نقلبه اليوم

فبدلاً من أن نسأل من سيحصل على موقع ومن سيحافظ على موقع، ينبغي أن نسأل من يملك مشروعاً للمغرب. وبدلاً من أن يكون السؤال كم يملك السياسي من نفوذ، يجب أن يكون السؤال ماذا يستطيع أن يقدم للمجتمع. وبدلاً من أن تكون الدولة مجالاً تتصارع داخله المصالح، ينبغي أن تكون الدولة هي الإطار الذي يحمي المصلحة العامة من تغول المصالح الخاصة.

المغرب لا يحتاج إلى طبقة سياسية تتنافس على امتلاك البلد، وإنما يحتاج إلى نخبة وطنية تتنافس على خدمته.

والفارق بين الأمرين ليس تفصيلاً صغيراً.

إنه، في تقديري، الفارق بين أن تظل السياسة وسيلة لبناء المغرب، أو أن تتحول تدريجياً إلى وسيلة للصراع عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى