اقتصادالرئسية

بوتاس الخميسات..مشروع ضخم ومأزق مكلف

 الخميسات.. ثروة تحت الأرض ومليار دولار فوق طاولة التحكيم الدولي

لم يبدأ نزاع «بوتاس الخميسات» بحكم قضائي، بل بمشروع استثماري كان يفترض أن يحول ثروة معدنية ضخمة إلى مناجم وفرص شغل وتنمية محلية، قبل أن يجد نفسه أمام هيئة تحكيم دولية ومطالبة مالية تتجاوز 1.2 مليار دولار..

وبينما لم يصدر أي حكم يحمّل المغرب مسؤولية أو يلزمه بهذا المبلغ، أصبحت القضية اختباراً مزدوجاً: قدرة الدولة على حماية قراراتها التنظيمية والبيئية، وقدرتها في الوقت نفسه على إدارة استثمارات استراتيجية من دون تحويلها إلى نزاعات مكلفة.

من منجم مرتقب إلى ملف دولي

سجلت القضية لدى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار  تحت رقم أرب/25/22، بعد إيداع شركتي خميسات يو كاي ليميتد و وبوتاس دو خميسات ش.أ. “Potasse “de Khemisset S.A، طلب التحكيم في أبريل 2025 و تم تسجيله رسمياً في 23 ماي من السنة نفسها، وتستند الدعوى إلى معاهدة حماية الاستثمارات المغربية البريطانية لسنة 1999، بينما تطالب إيمرسون بتعويض قدره “1.215 مليار دولار، شاملاً الفوائد”، بدعوى نزع ملكية المشروع وخرق ضمانات المعاملة العادلة والمنصفة، وهذه، حتى الآن، مطالبات المستثمر وليست نتيجة تحكيمية نهائية.

لكن الملف دخل مرحلة أكثر حساسية بعدما رفضت هيئة التحكيم في يوليوز 2026 طلب المغرب فصل الاعتراضات المتعلقة بالاختصاص عن جوهر القضية، لتقرر بحث المسارين معاً، ووفق الجدول الإجرائي المعلن، سيقدم المغرب مذكرة دفاعه في يناير 2027، ثم ترد إيمرسون في أكتوبر، قبل مذكرة مغربية جديدة في يناير 2028، على أن تعقد جلسات الاستماع بين 17 و26 يوليوز 2028.

ثروة كبيرة في إقليم يبحث عن فرصه

تكمن المفارقة الاقتصادية في أن المشروع لا يتعلق باحتياطي هامشي، فإيمرسون تتحدث عن موارد تقدر بنحو “536.9 مليون طن” بمتوسط 9.24% من أكسيد البوتاسيوم، فيما قدرت دراسة الجدوى السابقة قدرة المشروع على إنتاج نحو 810 آلاف طن سنوياً من البوتاس خلال التشغيل المستقر.

وتكتسي هذه الأزمة بعداً اجتماعياً قاسياً بإقليم الخميسات، فقد سجل هذا إقليم معدل فقر متعدد الأبعاد بلغ 10.6% سنة 2024، مقابل 6.8% وطنياً، فيما بلغ معدل قابلية التعرض للفقر متعدد الأبعاد 11.1%، وتقول إيمرسون إن مشروعها كان يستهدف 2,385 وظيفة مباشرة وغير مباشرة خلال البناء، ثم 1,500 وظيفة أثناء التشغيل، بينها 760 وظيفة مباشرة، مع استهداف شغل 90% من المناصب بأبناء المنطقة.

حين يصطدم الاستثمار بالماء والبيئة

هنا يتجاوز النزاع حدود المال، فرفض المسار البيئي، بحسب رواية الشركة، كان من بين الأسباب التي قادتها إلى التحكيم، بينما تقدم إيمرسون حالياً مشروعاً معدلاً تقول إنه يخفض استهلاك المياه بنسبة 50% ومياه المعالجة بنسبة 60% مقارنة بدراسة 2020.

وهذا يضع الدولة أمام معادلة دقيقة: “فحقها في حماية الماء والبيئة لا يفترض أن يتحول إلى التزام بتعويض المستثمر، كما أن جذب الاستثمار لا يعني تعطيل المعايير البيئية”، وبين الحقين، ستقرر هيئة التحكيم ما إذا كانت الإجراءات المغربية تدخل ضمن السلطة التنظيمية للدولة أم تشكل، وفق ما تدعيه الشركة، إخلالاً بالتزامات حماية الاستثمار.

السؤال الذي يتجاوز مليار دولار

المعضلة الحقيقية ليست فقط كم ستدفع الدولة إذا خسرت، فنتيجة النزاع ما تزال مفتوحة، وإنما كيف انتهى مشروع يقدّر إجمالي استثماره على مدى عمره بـ”2.5 مليار دولار”، وفق الشركة، إلى مواجهة قانونية بهذا الحجم قبل أن يتحول إلى نشاط منتج.

وهنا يصبح «بوتاس الخميسات» اختباراً لسياسة الاستثمار نفسها: كيف تتحول الثروة المعدنية إلى تنمية، من دون أن تتحول قرارات الدولة البيئية والاستثمارية إلى فاتورة تحكيمية، ومن دون أن تبقى الساكنة المحلية مجرد متفرج على ثروة تحت الأرض ونزاع يدور فوقها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى