الرئسيةسياسة

حكومة المنصوري تفتح زمن المحاسبة على مصراعيه

دابا بريس | قراءة تحليلية

بقلم: بثينة المكودي

لا تكمن صعوبة أي برنامج حكومي في صياغة الأهداف أو ،رتيب الأولويات، بل في القدرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في جيبه وفي المستشفى الذي يقصده، وفي المدرسة التي يدرس بها أبناؤه، وفي فرص الشغل التي يبحث عنها دون جدوى.

البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يطرح مجموعة من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، ويعد بتحولات تشمل القدرة الشرائية والصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد. غير أن كثرة الوعود، مهما بدت مغرية، لا تكفي وحدها لإقناع المغاربة بأن مرحلة جديدة قد بدأت فعلاً.

فالمواطن لا يحتاج إلى برنامج يصف له حجم الطموح بقدر ما يحتاج إلى ضمانات بشأن التنفيذ، وآليات واضحة للمحاسبة، ومؤشرات تسمح له بقياس ما تحقق وما بقي حبيس الوثائق الرسمية.

من لغة الأهداف إلى لغة الالتزامات

يعلن البرنامج عن استهداف نمو اقتصادي بمتوسط 5 في المائة سنوياً خلال الفترة 2027-2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. وهي أهداف تضع الحكومة أمام معادلة دقيقة كيف يمكن تمويل الالتزامات الاجتماعية الكبرى، وتوسيع الاستثمار العمومي، وتحسين الخدمات، مع الحفاظ على التوازنات المالية؟

السؤال هنا ليس ما إذا كانت هذه الأهداف مرغوبة، بل ما إذا كانت الأدوات الاقتصادية والمالية الكفيلة بتحقيقها واضحة وكافية. فالنمو الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى رفاه اجتماعي، كما أن ارتفاع حجم الاستثمار لا يعني بالضرورة توزيع ثماره بشكل عادل.

وإذا لم ينعكس النمو على الأجور وفرص العمل وكلفة المعيشة، فستظل الأرقام الماكرو-اقتصادية بعيدة عن التجربة اليومية للأسر.

الاجتماعي تحت مجهر التنفيذ

يعد البرنامج برفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، وبإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإصلاح التقاعد، وتحسين العرض الصحي والتعليمي.

لكن هذه الالتزامات تفتح أسئلة لا يمكن تجاوزها: ما معايير الاستحقاق؟ كيف ستُموّل الزيادات؟ هل ستواكبها مراجعة فعلية لسياسات الأجور والأسعار؟ وما الضمانات التي تمنع اتساع الفجوة بين ما تخصصه الدولة وما يصل فعلياً إلى الفئات المستهدفة؟

الأهم أن تقييم هذه الإجراءات يجب ألا يقتصر على عدد المستفيدين أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل ينبغي أن يشمل أثرها على مستوى العيش، وعلى الولوج إلى الخدمات، وعلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

محاربة الفساد.. الاختبار الأصعب

يرفع البرنامج شعار محاربة الفساد والريع والاحتكار، ويتحدث عن تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز شفافية الصفقات العمومية.

غير أن هذه الملفات لا تُحسم بإعلان النوايا. فالمعيار الحقيقي هو مدى استقلالية آليات الرقابة، وفعالية التحقيق والمساءلة، وقدرة المؤسسات على تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.

كما أن تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، وفق ما أورده البرنامج، يستدعي توضيح آليات التطبيق والرقابة، حتى لا يتحول الالتزام إلى نسبة معلنة يصعب قياس أثرها الفعلي.

خمس سنوات من الانتظار أم خمس سنوات من المحاسبة؟

تحتاج الحكومة إلى نشر أهداف سنوية واضحة، وتحديد المسؤوليات والآجال والموارد المالية، وإصدار حصيلة دورية تسمح للرأي العام بمقارنة التعهدات بالنتائج.

فالمغاربة لا تنقصهم البرامج التي تعد بالتغيير، وإنما يحتاجون إلى مؤسسات تجعل الوعود قابلة للقياس والمحاسبة.

وفي النهاية، لن يكون نجاح حكومة المنصوري مرتبطاً بعدد الالتزامات التي أعلنتها، بل بعدد الالتزامات التي نفذتها، وبمدى قدرتها على إقناع المواطن بأن الدولة الاجتماعية ليست شعاراً سياسياً، وإنما حق ملموس.

فالبرنامج الحكومي ليس شهادة نجاح تُمنح مسبقاً، بل تعاقد سياسي يبدأ الاختبار الحقيقي له منذ اليوم الأول للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى