
المغرب أمام امتحان الحماية الرقمية
تستعد الحكومة المغربية لفتح ورش تشريعي يمنع الأطفال دون 15 سنة من الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية المصنفة خطيرة، ضمن برنامجها للفترة 2026-2031، لكن التحدي لا يكمن في إغلاق أبواب المنصات أمام الناشئة بقدر ما يكمن في قدرة الدولة على فرض قواعدها داخل فضاء رقمي تتحكم فيه شركات عالمية، بينما تجد الأسر نفسها في مواجهة يومية مع شاشات يصعب ضبط ما تعرضه وما تستقطبه من انتباه أبنائها.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول؛ فقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن نحو 97% من الأطفال دون 18 سنة يستخدمون منصات التواصل مطلع 2024، فيما أظهرت استشارة أطلقها المجلس أن نحو 44% من الأطفال يقضون ثلاث ساعات يومياً على الأقل عليها ولا يعني ذلك أن جميع هؤلاء يعانون الإدمان، لكنه يكشف مدى تغلغل المنصات في الحياة اليومية للناشئة، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول النوم والتركيز والتوازن النفسي.
من المدرسة إلى البيت.. من يتحمل المسؤولية؟
وأمام هذا الواقع، تتجه التدابير المرتقبة إلى منع الهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية، وتعزيز المراقبة الأبوية، ومواكبة الأسر رقمياً، غير أن منع الهاتف داخل المدرسة لا ينهي المشكلة، لأن الطفل يعود بعدها إلى فضاء افتراضي مفتوح، تتدفق فيه المحتويات بلا توقف، وتتفاوت قدرة الأسر على مراقبتها وفهم مخاطرها.
وتبرز هنا الحاجة إلى تجاوز منطق تحميل الآباء المسؤولية وحدهم، نحو سياسة عمومية توفر لهم أدوات التوجيه، وتدمج التربية الرقمية في المناهج، وتساعد الأطفال على مواجهة التنمر والابتزاز الإلكتروني، وحماية بياناتهم، والتمييز بين المحتوى الآمن والضار، فالمراقبة قد تحد من بعض المخاطر، لكن الوعي هو ما يساعد الطفل على التعامل معها عندما يغيب الرقيب.
عمالقة التكنولوجيا أمام اختبار القانون
ولا يمكن لهذه الحماية أن تكتمل إذا ظلت مسؤولية المنصات أقل وضوحاً من مسؤولية الأسر، لذلك يتجه المشروع إلى فرض آليات دقيقة للتحقق من أعمار المستخدمين، بدل الاكتفاء بتاريخ ميلاد يسهل تزويره، بما يضع قدرة التشريع المغربي على إلزام الشركات العابرة للحدود أمام اختبار حقيقي.
غير أن التحقق من السن يفتح بدوره سؤال الخصوصية: كيف يمكن التأكد من عمر الطفل دون جمع بيانات شخصية أكثر مما تقتضيه الضرورة؟ ثم كيف يمكن منع التحايل عبر الحسابات الوهمية أو استخدام أجهزة الوالدين؟ إنها ثغرات تجعل فعالية القانون مرتبطة بوضوح الالتزامات والعقوبات، وبوجود ضمانات تقنية تحمي الأطفال دون توسيع المراقبة على حساب الحقوق الرقمية.
التجارب الدولية.. العبرة في التنفيذ
ولا يبدأ هذا النقاش من الصفر؛ فقد دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه المصادق عليه في مارس 2024، إلى بيئة رقمية دامجة وآمنة تجمع بين الحماية القانونية والتربية على الاستخدام المسؤول والتعاون مع المنصات.
وتقدم التجارب الدولية بدورها دروساً بشأن صعوبة الانتقال من الإعلان إلى التطبيق، إذ دخلت القيود الأسترالية على حسابات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 سنة حيز التنفيذ في ديسمبر 2025، لكن اختلاف القوانين وآليات التحقق يفرض على المغرب تحديد النموذج الذي يلائم واقعه القانوني والاجتماعي، بدل الاكتفاء باستنساخ تجارب أخرى.
حماية الطفولة مسؤولية سياسية
ولا يزال المشروع المغربي توجهاً حكومياً في انتظار استكمال نصوصه وتحديد آليات تنزيله، لذلك لن يقاس نجاحه بسن المنع وحده، بل بقدرته على مساءلة المنصات، ومساندة الأسر، وتأهيل المدارس، وضمان الخصوصية، ثم تقييم النتائج بعد التطبيق.. “المطلوب ليس إبعاد الأطفال عن التكنولوجيا، بل منع التكنولوجيا من تحويل طفولتهم إلى مساحة بلا حماية أو مساءلة.”





