
تحرير: جيهان مشكور
في خضم مناقشات الميزانية السنوية لهيئة النزاهة والوقاية من الرشوة صبيحة الأربعاء 5 نونبرالجاري، خرج النائب البرلماني نور الدين مضيان، القيادي في حزب الاستقلال، بتصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل قبة البرلمان و على منصات التواصل الاجتماعي..
لم يكن النقاش عادياً، بل أشعل سجالاً أخلاقياً وسياسياً حول مفهوم الرشوة في المغرب، وحدود التساهل مع ما يسمى بـ”الرشوة الصغيرة”، تلك التي تتخفى خلف عبارات مثل “غير قهيوة ديالك” أو “دير معانا الواجب”، لتتحول من انحراف فردي إلى سلوك اجتماعي شبه مشروع.
بين الرشوة “الصغيرة والكبيرة”: خيط أخلاقي رفيع
لم يكتف مضيان بالحديث عن الفساد من زاوية أخلاقية، بل عمد إلى تفكيكها حسب «الطبيعة والنوعية»، معتبراً أن الرشوة الصغيرة لا ترقى إلى مستوى الجريمة الحقيقية، بل هي في نظره نتيجة الحاجة والضغوط اليومية التي يعيشها الموظف والمواطن معاً.
في المقابل، أشار إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في الرشوة الكبرى، تلك التي تتغلغل في الصفقات العمومية والمشاريع الكبرى وتلتهم المليارات من المال العام..
لكن هذا الفصل الذي قدمه مضيان يطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن لمجتمع أن يتسامح مع “الصغير” من الفساد، ان صح التعبير، دون أن يفتح الباب أمام الكبير منه؟ فحين يصبح خرق القانون مقبولاً اجتماعياً، تتحول الرشوة من انحراف إلى عادة، ومن عادة إلى قاعدة غير مكتوبة تسير بها الإدارات وتضبط بها المصالح.
الفساد الصغير: وجه “إنساني” أم خراب بطيء؟
أخطر ما في الفساد المغربي أنه لم يعد يُدان مجتمعياً كما في السابق.. لقد ساهمت سنوات من التطبيع مع “الرشوة الصغيرة” في خلق ثقافة تبريرية خطيرة تقول: “الكل يفعل ذلك”، “المعيشة غالية”، “غير قهيوة ديالك ”، بهذا المنطق البسيط، يتحول الفساد إلى سلوك عادي، بل و إلى وسيلة للبقاء في مجتمع يختل فيه ميزان العدالة..
المواطن الذي يشتكي من فساد الإدارة هو نفسه الذي يدفع الرشوة لتسريع معاملته، والمسؤول الذي يندد بالفساد أمام الكاميرات هو نفسه الذي يغض الطرف عنه داخل مكتبه، إنها حلقة تواطؤ جماعي تُضعف أي إرادة للإصلاح وتُفرغ قيم النزاهة من معناها.
الخطير أن هذه “الرشوة الصغيرة” التي تُمارس ب”حسن نية”، أو كما وصفها مضيان بـ”الكرم المغربي”، ليست بريئة كما تبدو، فهي تخلق مناخاً يسمح بالاختراق التدريجي للمنظومة برمتها، فحين يُقبل الخطأ البسيط، يصبح الفساد الكبير مجرد نتيجة منطقية، وحين تُكافأ اللامبالاة، يفقد القانون معناه، ويصبح الصمت هو العملة الرسمية في سوق القيم الوطنية.
الصفقات الكبرى: حين تتسرب المليارات بصمت
وجّه مضيان سهام نقده أيضاً نحو الصفقات العمومية التي تحوّلت إلى حقل خصب للفساد الممنهج، مؤكداً أن “محاربة الرشوة تبدأ من الأعلى، لا من الأسفل”، فوفقاً لتقرير المجلس الأعلى للحسابات، تجاوزت قيمة الرشاوى المرتبطة بالصفقات الكبرى 1.2 مليار درهم خلال سنة واحدة فقط.
هذا الرقم الصادم لا يختزل حجم الكارثة، لأن أثره يتجاوز المال إلى الثقة.. كل درهم يُهدر في صفقة فاسدة يعني قسماً دراسياً مفقوداً، وسريراً أقل في مستشفى متهالك، وطريقاً محفوفة بالحفر بدل أن يكون جسراً للتنمية.
إذ لا يقاس الفساد في المشاريع الكبرى بالمبالغ فقط، بل بالفرص الضائعة، وبالأجيال التي تدفع ثمن سوء التدبير وانعدام المحاسبة.. وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بـ”الفساد البنيوي”، الذي يُفرغ الدولة من مضمونها الاجتماعي، ويحول التنمية إلى واجهة لتوزيع الريع وتدوير الامتيازات.
المفارقة الأخلاقية والسياسية
حين يبرر نائب برلماني “الرشوة الصغيرة” باعتبارها سلوكاً إنسانياً أو انعكاساً لوضع اجتماعي هش، فإنه يفتح باباً خطيراً أمام التساؤل: هل يمكن تبرير الخطأ باسم الحاجة؟ وإذا كان الموظف الصغير معذوراً لأنه يعيش الضيق، فهل يعني ذلك أن المواطن الذي يدفعها شريك في الخلاص أم في الانهيار؟
هذا المنطق يخلق ازدواجية قاتلة بين الخطاب والممارسة، بين ما يُقال في البرلمان وما يُمارس في الإدارات.. فالدولة التي تعلن الحرب على الفساد في الشعارات، تجد نفسها عاجزة عن مواجهة “الدرهمين” في الواقع، بينما تتسرب الملايير في العقود العمومية دون حسيب أو رقيب.
نحو وعي جديد بالنزاهة
القضية التي أثارها مضيان تتجاوز البرلمان إلى عمق المجتمع المغربي.. فالفساد لم يعد مجرد جريمة مالية، بل أصبح أزمة قيم وثقافة وسلوك، و محاربته تتطلب أكثر من مؤسسات وهيئات، تحتاج إلى ثورة وعي تُعيد الاعتبار لفكرة المواطنة القائمة على المسؤولية لا على المصلحة.. فالنزاهة ليست قانوناً مكتوباً، بل شعور جماعي بأن ما يُسرق من المال العام هو سلب لمستقبلنا جميعاً.
إن الرشوة، سواء كانت بدرهم أو بمليار، هي وجه واحد لمنظومة واحدة تتغذى على الصمت والتبرير والتطبيع، وما لم يُكسر هذا الصمت وتُستعاد هيبة القانون، سيبقى الحديث عن محاربة الفساد مجرد شعارات انتخابية تُقال في القبة وتُنسى عند الباب.
فالمعركة الحقيقية ليست ضد موظف صغير يمد يده لعشرة دراهم، بل ضد من جعل من الفساد أسلوب حكم، ومن “الكرم المغربي” ذريعة لتقنين الانحراف الأخلاقي.
في النهاية، النزاهة ليست ترفاً، بل شرطاً لبقاء الدولة العادلة والمجتمع الذي يحلم بمستقبل لا يُشترى ولا يُباع.
الأمل في الإصلاح: من الوعي إلى الفعل
ورغم الصورة القاتمة االتي تعرفها بلادنا في هذا الاتساع السرطاني للفساد، إلا أن الأمل – لا يزال قائماً-، فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين يتحول الوعي من رد الفعل إلى الفعل، وحين يُدرك المواطن أن محاربة الفساد ليست قضية تقنية أو قانونية فحسب، بل قضية وجودية لمستقبل الوطن.
فالأمر يتطلب شجاعة سياسية حقيقية لفتح الملفات الكبرى دون خطوط حمراء، وإرادة مؤسساتية لتطبيق القانون بعدالة لا انتقائية، كما يحتاج إلى تحرير الإعلام والمجتمع المدني ليقوما بدورهما الرقابي دون خوف أو إقصاء، و الأهم من ذلك، أن تُدرّس قيم النزاهة والمواطنة في المدرسة، وأن تُمارس في الواقع وفي الفضاء العمومي، لأن بناء ثقافة النزاهة لا يتم عبر الشعارات بل عبر القدوة والقدرة على المحاسبة.





