الرئسيةمجتمع

سردين بـ30 درهماً..كيف تحوّلت “سمكة الفقراء” إلى كمالية على موائد المغاربة؟

يبدو أن السردين، تلك السمكة التي كانت تُلقَّب يومًا بـ”صديقة الفقراء”، قررت أخيرًا التمرّد على نسبها الاجتماعي والالتحاق بنادي الكماليات.. فقد عاد سعرها إلى الارتفاع بعد فترة قصيرة من “الهدنة” ، وكأنها كانت تستجمع أنفاسها قبل الجولة التالية من معارك السوق.

قفزة جديدة من عمق البحر إلى جيوب المستهلكين

تجاوز سعر السردين في العديد من أسواق الدار البيضاء عتبة 25 درهمًا للكيلوغرام، ووصل في بعض النقاط إلى 30 درهما.. بعد ان كان، قبل أسابيع فقط، يتجول بكل أناقة تحت سقف 20 درهما..

هكذا، و في صمت تام، أعلنت أسواق المدينة بداية موسم جديد: موسم الفقراء بلا سمك.. في العاصمة الاقتصادية التي تتقن تحويل أبسط تفاصيل الحياة إلى اختبار صعب

خلف الكواليس: قلة العرض ووفرة التبريرات

يُبرر المهنيون هذا الارتفاع إلى تراجع الكميات التي تصل إلى الأسواق نتيجة سوء الأحوال الجوية وتعطل جزء من الأسطول عن الإبحار، فينكمش العرض بسرعة ويقفز الثمن خلال ساعات..

لكن خلف تلك التفسيرات الموسمية يختبئ خلل أعمق في تنظيم سوق السمك، فالأسعار لا ترتفع فقط حين تهدأ أمواج البحر أو تشتد، بل لأنها محكومة بسلسلة توزيع معقدة، فقد نسيت الحكومة أن تعترف بأن سلسلة التسويق تضم أكثر من 6 وسطاء قبل أن يصل السردين إلى المواطن، وأن أسعار الوقود ليست سوى جزء من القصة، و الجزء الأكبر مكتوب بخط صغير في هوامش التقارير الرسمية:

احتكار،و مضاربة،و غياب مراقبة، وسوق حر لا يؤمن إلا بالربح الحر.

وفي ذات السياق، يرى المراقبون أن تعليق الأزمة على مشجب الطقس لم يعد مقنعاً.. فالمغرب، الذي يُنتج أكثر من 1.6 مليون طن من الأسماك سنوياً وفق أرقام رسمية للمكتب الوطني للصيد، ما يزال عاجزاً عن ضمان أسعار مستقرة لأبسط منتوج بحري يخرج من مياهه..

نصدّر السردين إلى أوروبا بثمن مدعوم و”بجودة مختارة” ، بينما يشتريه المواطن المحلي بسعر يحول “سمكة الفقراء” إلى رمز طبقي أكثر منه غذاءً يومياً.

(نحن لسنا شعباً يعيش على ساحل البحر؛ نحن شعب يعيش على طرف مطعم فخم لا يملك حق الجلوس إلى طاولاته.)

أزمة تتسع ومائدة تزداد هشاشة

يأتي هذا الارتفاع الجديد في وقت يعرف فيه المغاربة موجة زيادات طالت مواد استهلاكية أساسية من خضر وفواكه ودقيق وزيوت، ما يجعل القدرة الشرائية في مواجهة مفتوحة مع سوق لا يرحم، ليعود سؤال العدالة الغذائية بقوة.. كيف يمكن لبلد يملك أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من السواحل أن يعجز عن توفير وجبة بحرية بسيطة بثمن مناسب؟ وكيف يتحول تقلب الرياح إلى أزمة معيش يومية؟

حين يصبح السردين مرآة

أصبح السردين، الذي كان يوماً رمز البساطة ومؤشراً لصحة الجيب، مرآة تعكس أعطاب المنظومة الاقتصادية، من اختلالات التوزيع إلى التنافس غير المتكافئ بين المصايد الداخلية ومتطلبات التصدير.. كلما ارتفع سعره، ظهر حجم الفجوة بين الخطابات والواقع، بين الميناء والموائد، بين الأرقام الحكومية وحياة الناس.

ولذلك، لو وُجدت محكمة حقيقية للسياسات العمومية، فإن أول شاهد لن يكون خبيراً اقتصادياً، بل مواطن بسيط يمسك في يده فاتورة سوق، وفي قلبه سؤال واحد:

كيف تحوّلنا من شعب يعيش على شاطئ البحر… إلى شعب يطلب من البحر تخفيض الأسعار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى