اقتصادالرئسية

كادميوم في الطماطم…تلوث صامت يفضح نموذج التصدير

° تحرير” جيهان مشكور

لم تكد فضيحة حجز الطماطم المغربية في روسيا بسبب الفيروسات النباتية تخبو، حتى جاء التنبيه الأوروبي ليضيف طبقة جديدة من القلق، هذه المرة بلغة الأرقام الصارمة.. حيث سجّل نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف بالاتحاد الأوروبي(RASFF ) إشعاراً رسمياً بخصوص رصد الكادميوم في شحنة طماطم قادمة من المغرب، بعد مراقبة حدودية إسبانية، في واقعة تعكس أن المشكل لم يعد حدثا صحيا عابرا  فقط، بل يطاد يقترب من  البنيوي.

رقم صغير… وخطر كبير

كشفت التحليلات المخبرية عن وجود الكادميوم بنسبة 0,068 ميليغرام في الكيلوغرام، متجاوزة السقف الأوروبي المحدد في 0,05 ميليغرام، ،يبدو فرق بسيطاً للبعض، لكنه في منطق السلامة الغذائية خط أحمر..

فالكادميوم معدن ثقيل سام، يتراكم في الجسم على المدى الطويل، ويرتبط بمخاطر صحية تشمل اضطرابات الكلى وأمراض العظام، بل ويُصنف ضمن العناصر المسرطنة عند التعرض المزمن،و هنا، لا مجال للحديث عن “هفوة تقنية” أو “اختلاف معايير” .

من الحقل إلى الميناء… أين الخلل؟

يفتح وجود هذا العنصر الباب أمام أسئلة محرجة حول شروط الزراعة، وجودة التربة، ونوعية الأسمدة المستعملة، ومدى احترام سلاسل التتبع والمراقبة..

فإما أن الأراضي الزراعية تعاني تلوثا صامتا، أو أن استعمال المدخلات الفلاحية يتم بمنطق الإنتاج السريع لا السلامة المستدامة، وفي الحالتين، النتيجة واحدة: منتج يعبر آلاف الكيلومترات ليُرفض عند أول اختبار جدي.

ضربة اقتصادية تتجاوز الشحنة

تمثل الزراعة التصديرية رافعة أساسية للاقتصاد، وتدر مليارات الدراهم سنويا، وتشغل آلاف اليد العاملة..

فالطماطم على سبيل المثال، ليست منتجا هامشيا في الصادرات الفلاحية المغربية، إذ تُصدر أزيد من 700 ألف طن سنوياً، بعائدات تناهز 10 مليارات درهم، وتشكل العمود الفقري لفلاحة التصدير في عدة جهات، لكن كل إشعار أوروبي من هذا النوع يُراكم نقاطاً سوداء في سجل الثقة، خاصة أن السوق الأوروبية ليست زبوناً فقط، بل مرجعاً، وأي اهتزاز في صورتها عن المنتوج المغربي قد يترجم إلى تشديد المراقبة، أو تقليص الطلب، أو فرض قيود إضافية ترفع كلفة التصدير وتضعف التنافسية.

البعد السياسي للصمت

المثير للسخرية أن هذه التنبيهات الخطيرة تمر داخلياً بهدوء شبه كامل، وكأنها تخص دولة أخرى.. لا بلاغات تفسيرية، ولا مساءلة واضحة، ولا خطاب يطمئن الرأي العام، وكأن المطلوب هو أن نطمئن فقط لأن *الشحنة لم تدخل السوق الأوروبية”، متناسين السؤال الأكثر إزعاجاً: أين تذهب المنتجات التي لا تُصدَّر؟ ومن يضمن أن المعايير الصارمة نفسها تُطبق داخل السوق المحلية؟

صفعة باسم الصحة والسيادة الغذائية

ما يحدث ليس استهدافاً، بل صفعة واقعية تفرض إعادة التفكير في نموذج فلاحي يطارد العملة الصعبة وينسى كلفة المخاطر الصحية والسمعة الوطنية.. فإما أن تتحول السلامة الغذائية إلى أولوية فعلية، تُراقب فيها الحقول قبل الموانئ، أو يستمر النزيف بصمت، حيث تُرفض الطماطم هناك، وتُباع هنا، بثمن اقتصادي وصحي يدفعه المواطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى