اقتصادالرئسية

الاقتصاد المغربي تحت ضغط النفط

النمو يتباطأ.. وفاتورة الطاقة تلتهم المكاسب

ليس السؤال هذه المرة كم سينمو الاقتصاد المغربي، بل كم ستكلفه هذه النسبة من النمو؟، ففي الوقت الذي تتجه فيه توقعات المؤسسات الاقتصادية نحو استمرار النمو، تظهر فاتورة أخرى أكثر إزعاجاً: ارتفاع كلفة الطاقة، اتساع العجز التجاري، وتزايد تعرض الاقتصاد المغربي للصدمات الخارجية، من أسعار النفط والنقل إلى الطلب الأوروبي.

وفي أحدث توقعاتها، تتوقع وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن يتباطأ نمو الاقتصاد المغربي إلى 4 في المائة خلال 2026، مقابل 4.9 في المائة سنة 2025، على أن يستقر متوسط النمو عند نحو 4.2 في المائة خلال 2027 و2028. وتعزو الوكالة جزءاً من هذا التباطؤ إلى تداعيات أزمة مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، فضلاً عن ضعف الطلب الخارجي، خصوصاً الأوروبي.

لكن الرقم الأكثر دلالة ربما لا يوجد في خانة النمو، وإنما في خانة الفاتورة التي تدفعها البلاد مقابل الطاقة.

2.2 مليار دولار.. كلفة إضافية في ستة أشهر

وفق بيانات أوردتها منصة «الطاقة» نقلاً عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، ارتفعت الكلفة الإضافية لواردات المغرب من النفط والغاز بنحو 2.2 مليار دولار بين مارس وغشت 2026، بفعل تداعيات أزمة مضيق هرمز.

واللافت أن الديزل وحده استحوذ على نحو 1.8 مليار دولار من هذه الزيادة، أي الجزء الأكبر من الكلفة الإضافية التي تحملها المغرب خلال ستة أشهر فقط. واحتل المغرب، وفق المعطيات نفسها، المرتبة الثالثة إفريقيا من حيث الكلفة الإضافية لواردات النفط والغاز، بعد مصر وجنوب إفريقيا.

وهنا تصبح أزمة هرمز أكثر من مجرد أزمة جيوسياسية بعيدة عن المغرب؛ إنها تتحول مباشرة إلى فاتورة في الميزان التجاري، وضغط على كلفة النقل والإنتاج، وعبء محتمل على المستهلك والمالية العمومية.

الطاقة تضغط على الميزان التجاري

المؤشرات الرسمية لمكتب الصرف تعطي صورة أوسع من مجرد ارتفاع أسعار الوقود.

فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، ارتفعت واردات المغرب بنسبة 15.9 في المائة لتصل إلى نحو 544 مليار درهم، بينما زادت الصادرات بنسبة أقل، بلغت 8.4 في المائة، إلى حوالي 299.3 مليار درهم.

والنتيجة كانت اتساع العجز التجاري بنسبة 26.5 في المائة، من نحو 193.4 مليار درهم إلى 244.7 مليار درهم خلال الفترة نفسها.

وهذه الأرقام تكشف جانباً مهماً من المعادلة: المغرب يصدر أكثر، لكنه يستورد بوتيرة أسرع.

وهنا لا يعود ارتفاع النمو وحده كافياً للحكم على متانة الأداء الاقتصادي، لأن جزءاً من النشاط الاقتصادي والاستثماري يظل مرتبطاً بواردات مرتفعة الكلفة، خصوصاً الطاقة والتجهيزات والمواد الأولية.

مفارقة النمو: اقتصاد يتحرك.. لكن الخارج يضغط

المفارقة أن الصورة ليست كلها سلبية.

فالمندوبية السامية للتخطيط تتوقع نمو الاقتصاد المغربي بـ 4.8 في المائة خلال 2026، مدفوعاً خصوصاً بانتعاش استثنائي للنشاط الفلاحي، وقوة الطلب الداخلي والاستثمار. كما سجل الاقتصاد نمواً سنوياً قدره 4.8 في المائة في الفصل الثاني من السنة وفق آخر معطياتها.

لكن «فيتش» تنظر إلى ما وراء هذه السنة الاستثنائية، وترى أن ارتفاع أسعار الطاقة وضعف الطلب الأوروبي يمكن أن يسحبا النمو إلى مستوى أدنى.

وهنا تظهر أهمية الاختلاف بين التوقعات: المندوبية السامية للتخطيط تبني جزءاً مهماً من توقعاتها على انتعاش فلاحي قوي، بينما تضع وكالة «فيتش» الصدمات الخارجية والطاقة والطلب الأوروبي في صلب حساباتها.

بل إن صندوق النقد الدولي كان قد توقع في مارس نمواً أقوى، في حدود 4.4 في المائة خلال 2026، مع تحذيره في الوقت نفسه من أن الحرب في الشرق الأوسط تؤثر في المغرب عبر أسواق السلع والطاقة والطلب العالمي.

أي أن المسألة ليست رقماً واحداً متفقاً عليه، وإنما اقتصاد تتجاذبه عوامل داخلية داعمة للنمو وأخرى خارجية تضغط عليه.

أوروبا.. الحلقة الأخرى في المعادلة

ولا تقف المخاطر عند النفط والغاز.

فالمغرب يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الأوروبية، سواء في الصادرات الصناعية أو السيارات أو النسيج أو الخدمات والاستثمارات والسياحة.

ولهذا فإن تباطؤ الطلب الأوروبي لا يعني فقط تراجعاً محتملاً في الصادرات، بل يمكن أن ينعكس على الإنتاج الصناعي والاستثمار والتشغيل.

وتشير «فيتش» تحديداً إلى أن تباطؤ الطلب الأوروبي سيكون من العوامل التي تحد من النمو، إلى جانب ارتفاع فاتورة الطاقة. كما تتوقع الوكالة اتساع عجز الحساب الجاري إلى 3.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في 2026، مقابل 2.5 في المائة في 2025، قبل أن يتراجع لاحقاً مع افتراض تراجع أسعار الطاقة وتحسن البيئة الخارجية.

حين تصبح الاستثمارات الكبرى أكثر كلفة

هناك عامل آخر يستحق الانتباه: المغرب مقبل على مرحلة استثمارية ضخمة مرتبطة بالبنية التحتية ومشاريع كبرى، بما فيها الاستعدادات لكأس العالم 2030.

وهذه الاستثمارات يمكن أن تدعم النمو والنشاط الاقتصادي، لكنها في المقابل ترفع الطلب على المعدات والمواد المستوردة.

وهذا ما يجعل المعادلة أكثر تعقيداً: الاستثمار العمومي يدفع النمو إلى الأمام، لكنه قد يرفع أيضاً فاتورة الواردات إذا لم تواكبه قدرة أكبر على الإنتاج المحلي والتصدير.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع الواردات المرتبطة بالاستثمار يمثل أحد العوامل التي يمكن أن توسع عجز الحساب الجاري على المدى المتوسط.

السؤال الحقيقي ليس 4% أم 4.8%

من هنا، فإن الجدل الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند مقارنة توقع «فيتش» بتوقع المندوبية السامية للتخطيط أو صندوق النقد الدولي.

السؤال الأهم هو: ما نوع النمو الذي يحققه المغرب، وكم من هذا النمو يتحول إلى قيمة مضافة وفرص شغل ودخل، وكم منه يذهب لمواجهة ارتفاع كلفة الواردات؟

ففي 2025 ارتفعت واردات المغرب إلى أكثر من 822 مليار درهم، بزيادة 8 في المائة، مقابل نمو الصادرات بـ2.8 في المائة فقط، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 15.8 في المائة.

ومع استمرار ضغط الطاقة خلال 2026، يصبح التحدي أكثر وضوحاً: ليس فقط تحقيق النمو، وإنما حماية هذا النمو من أن يتحول إلى نمو مكلف، يعتمد على الخارج أكثر مما يخلق قيمة في الداخل.

من مضيق هرمز إلى جيب المواطن

في النهاية، قد تبدو أزمة مضيق هرمز بعيدة جغرافياً عن المغرب، لكن آثارها تسافر بسرعة أكبر من السفن.

برميل النفط يصل إلى الموانئ، ثم يدخل في كلفة النقل، والكهرباء، والإنتاج، والسلع والخدمات. وكل ارتفاع في كلفة الطاقة يضغط، بدرجات مختلفة، على الاقتصاد والأسر والمقاولات والميزانية.

ولهذا فإن توقع «فيتش» بتباطؤ النمو إلى 4 في المائة ليس مجرد تعديل لنسبة مئوية في تقرير ائتماني؛ إنه تذكير بأن الاقتصاد المغربي، رغم تحسن الزراعة والاستثمار وقوة بعض القطاعات التصديرية، لا يزال مكشوفاً أمام ثلاثة ضغوط مترابطة: الطاقة، الطلب الخارجي، والعجز التجاري.

والاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة المغرب على تسجيل نسبة نمو مرتفعة، وإنما في قدرته على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى تصدير، والنمو إلى دخل وفرص شغل، وتقليص فاتورة التبعية للخارج.

فالأرقام قد تقول إن الاقتصاد ينمو، لكن السؤال الذي يهم المواطن في النهاية أبسط بكثير: ماذا يبقى من هذا النمو عندما تصل الفاتورة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى