الرئسيةسياسة

بنصر: التطبيع.. واقعية أم وقوعية؟

أثار قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بمستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما من مكاتب اتصال إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء نقاشا سياسيا واسعا، بالنظر إلى توقيته وسياقه الإقليمي، وما يحمله من دلالات تتجاوز الترتيبات الدبلوماسية والبروتوكولية.

 

وفي هذا السياق، طرح عبد الرحيم بنصر، العضو القيادي بحزب التقدم والاشتراكية، سؤالا نقديا حول حدود ما يُسمى بـ«الواقعية السياسية»، متسائلا عما إذا كانت هذه الواقعية ما تزال أداة لتدبير المصالح الوطنية والتعامل مع موازين القوى، أم أنها قد تنزلق إلى ما وصفه بـ«الوقوعية».

وكتب بنصر في تدوينة على صفحته بموقع «فايسبوك» أن الانتقال من علاقة دبلوماسية قائمة على تمثيلية أدنى إلى تمثيل دبلوماسي كامل مع طرف منخرط في صراع ذي كلفة إنسانية وقانونية كبيرة، يطرح سؤالاً يتجاوز القرار الدبلوماسي في حد ذاته.

وبحسب بنصر، فإن الإشكال لا يتعلق فقط برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإنما بما يمكن أن يعنيه ذلك سياسياً واستراتيجياً، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما يرتبط بها من نقاشات حول حقوق الإنسان والقانون الدولي.

من الواقعية إلى «الوقوعية»

ويرى القيادي في حزب التقدم والاشتراكية أن الواقعية السياسية لا تُقاس بمجرد التعامل مع موازين القوى القائمة، بل بالسؤال حول طبيعة الواقع الذي تستجيب له السياسة، والأفق الذي تتحرك داخله المصالح الوطنية.

وفي هذا السياق، يميز بنصر بين واقعية سياسية تستخدم موازين القوى لحماية القرار الوطني وتوسيع هامش المناورة، وبين «وقوعية» تجعل موازين القوى القائمة سقفاً للإرادة السياسية، وتحول الأمر الواقع من معطى ينبغي التعامل معه إلى قاعدة تُبنى عليها الخيارات السياسية.

ويعتبر أن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، في هذه الظروف، لا يمكن اختزاله في مجرد تغيير في الشكل أو البروتوكول، لأنه قد يؤشر على دخول العلاقات الثنائية مرحلة جديدة، بما تحمله من تداعيات محتملة على السياسة الخارجية وصورة المغرب ومصداقية التزاماته المعلنة تجاه حقوق الإنسان والقانون الدولي.

سؤال المصالح والحدود

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة سؤالاً أوسع حول مفهوم المصلحة الوطنية في السياسة الخارجية: هل تكفي الحسابات المرتبطة بموازين القوى والرهانات الاستراتيجية لتبرير الانتقال إلى مستويات أعلى من العلاقات، أم أن السياسة الخارجية مطالبة أيضاً بوضع حدود لما يمكن أن تقبله باسم الواقعية؟

ويأتي هذا النقاش في وقت لا تقتصر فيه التفاهمات المغربية الإسرائيلية المعلنة على رفع التمثيل الدبلوماسي، بل تشمل أيضاً العمل على اتفاقيتين في مجال حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة، وتنظيم زيارات رفيعة المستوى.

وبذلك، فإن الخطوة لا تبدو معزولة عن مسار أوسع لتطوير العلاقات، وهو ما يجعل الأسئلة التي يطرحها بنصر تتجاوز طبيعة التمثيل الدبلوماسي إلى طبيعة المسار نفسه.

أي واقعية لأي مستقبل؟

في نهاية المطاف، لا يضع بنصر الواقعية السياسية موضع الرفض، بقدر ما يعيد طرح السؤال حول حدودها ووظيفتها.

فالمسألة، كما يلخصها، ليست في أن تكون السياسة واقعية، وإنما في أي واقع تستجيب له، ولأي أفق تاريخي تخضع مصالح البلاد: واقعية توظف موازين القوى لحماية القرار الوطني، أم «وقوعية» تجعل موازين القوى القائمة سقفاً للإرادة السياسية؟

وهو سؤال يبدو، في ظل الانتقال المرتقب إلى التمثيل الدبلوماسي الكامل، أكبر من مجرد سفارة جديدة؛ لأنه يتعلق بالحد الفاصل بين إدارة الواقع السياسي والتسليم به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى