الرئسيةسياسة

PPS..حين يصطدم البرنامج بالتحالفات

يقدم حزب التقدم والاشتراكية برنامجه الانتخابي باعتباره مشروعا لـ«بديل يساري تقدمي»، يقوم على تقوية الدولة الاجتماعية، ودعم الخدمات العمومية، والتصنيع، وخلق فرص الشغل، وإعادة توزيع الثروة، وإصلاح المنظومة الجبائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب توسيع الحريات وترسيخ البناء الديمقراطي.

لكن قيمة أي برنامج انتخابي لا تقاس فقط بحجم وعوده، وإنما بقدرته على الإجابة عن أسئلة أكثر قسوة: كم سيكلف؟ من سيدفع؟ كيف سينفذ؟ وماذا سيبقى منه عندما ينتقل الحزب من الحملة الانتخابية إلى الحكومة؟

برنامج بأرقام كبيرة

يحاول الحزب تجاوز البرامج التي تكتفي بالشعارات، فيتحدث عن تعبئة نحو 575 مليار درهم من النفقات الإضافية خلال خمس سنوات مقابل 622 مليار درهم من الموارد الإضافية.

لكن السؤال ليس فقط عن حجم الموارد، بل عن مصدرها: كم سيأتي من الإصلاح الضريبي؟ وكم من محاربة التهرب؟ وكم من النمو؟ وهل تمتلك الدولة فعلاً القدرة على تعبئة هذه الموارد؟

الأمر نفسه ينطبق على هدف خلق مليون منصب شغل، بينها 500 ألف منصب صناعي. فالرقم جذاب انتخابيا، لكنه يحتاج إلى تفكيك: ما طبيعة هذه الوظائف؟ وما القطاعات التي ستوفرها؟ وهل ستكون دائمة ومصرحا بها؟ وكيف سيتحقق التصنيع الذي يفترضه البرنامج؟

فـ500 ألف منصب صناعي ليست مجرد وعد بالتشغيل، بل تعني عمليا إعادة توجيه جزء من النموذج الاقتصادي المغربي.

عودة الدولة.. لكن بأي قدرة على التنفيذ؟

البرنامج يعيد الدولة إلى قلب الاقتصاد والمجتمع: مستشفى عمومي أقوى، مدرسة عمومية، تصنيع وطني، سيادة غذائية وطاقية، دعم للمقاولات، وسياسة أكثر تصاعدية في توزيع الثروة.

وهذا يمنحه هوية يسارية واضحة، لكنه يطرح سؤالا أساسيا: هل المشكلة في المغرب هي غياب السياسات أم ضعف القدرة على تنفيذها؟

فالدولة التي يريدها الحزب أن تتدخل أكثر تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، وحكامة أقوى، وتقييم حقيقي للسياسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي الصحة والتعليم مثلا، لا يكفي الإعلان عن توظيف آلاف الأطباء والممرضين والمدرسين أو بناء المؤسسات؛ فالمشكلة أيضا في التوزيع المجالي، وجودة الخدمات، وظروف العمل، والنتائج الفعلية.

القدرة الشرائية والعدالة الجبائية

يراهن الحزب على رفع الأجور والمعاشات وتوسيع الدعم الاجتماعي، بالتوازي مع إصلاح جبائي أكثر تصاعدية، بما في ذلك فرض ضريبة على بعض أشكال الثروة غير المنتجة.

وهنا تظهر بوضوح هويته اليسارية: زيادة دخل الفئات الضعيفة والمتوسطة، وتحميل أصحاب الثروة نصيباً أكبر من التمويل العمومي.

لكن هذه السياسة تحتاج إلى تفاصيل أكثر حول كيفية تنفيذها، خصوصاً في ما يتعلق بتقييم الثروة، ومحاربة التهرب، وحماية الاستثمار المنتج.

كما أن تحسين القدرة الشرائية لا يتعلق بالأجور وحدها؛ فبدون معالجة الأسعار والمنافسة والإنتاجية، يمكن أن تلتهم الزيادات في الدخل جزئياً زيادة الأسعار.

الحلقة الغائبة: مع من سيحكم الحزب؟

هنا يبرز السؤال السياسي الأكبر.

في ظل النظام الانتخابي وتعدد الأحزاب، يصعب بناء التحليل على فرضية أن حزباً واحداً سيحصل على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة وتنفيذ برنامجه منفرداً.

لذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا سيفعل التقدم والاشتراكية إذا حكم؟

بل: ماذا سيفعل إذا دخل الحكومة ضمن ائتلاف؟

فالبرنامج الحزبي شيء، والبرنامج الحكومي شيء آخر. الأول يعبر عن هوية الحزب والتزاماته أمام الناخبين، أما الثاني فهو نتيجة تفاوض بين أحزاب قد تختلف حول الضرائب، ودور الدولة، والقطاع العمومي، والأجور، والاستثمار، وحتى بعض القضايا السياسية.

وهنا تكمن المفارقة: قد يصوت الناخب على برنامج يساري واضح، ثم يجد الحزب نفسه داخل حكومة تضطره إلى تقديم تنازلات واسعة.

ما هي خطوط التفاوض؟

كان يمكن للبرنامج أن يكون أكثر قوة لو حدد بوضوح شروط المشاركة في أي حكومة مقبلة: ما الملفات غير القابلة للتنازل؟ ما الذي يمكن التفاوض بشأنه؟ وما الذي يعتبره الحزب خطا أحمر؟

فإذا كان الإصلاح الجبائي أولوية، هل يمكن للحزب دخول حكومة لا تلتزم به؟ وإذا كان الدفاع عن المدرسة والمستشفى العموميين مركزياً، فما الضمانات التي سيطلبها من شركائه؟

هذه ليست تفاصيل، لأن قوة الحزب داخل الحكومة لا تقاس فقط بعدد المقاعد، بل بقدرته على تحويل برنامجه إلى جزء من البرنامج الحكومي.

بين البرنامج والوعد والقدرة

في النهاية، يقدم التقدم والاشتراكية برنامجا يحمل ملامح يسارية واضحة: دولة اجتماعية أقوى، خدمات عمومية، تصنيع، عدالة جبائية، دعم للمقاولة، وتقليص للفوارق.

لكن البرنامج يواجه امتحانين في آن واحد:

الأول اقتصادي وتنفيذي: هل يمكن تمويل هذه الالتزامات وتحويلها إلى نتائج خلال خمس سنوات؟

والثاني سياسي: إذا دخل الحزب حكومة ائتلافية، فكم سيبقى من برنامجه بعد التفاوض مع الشركاء؟

لذلك فإن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه أمام «الكتاب» ليس فقط: هل يمتلك بديلا؟

بل: هل يمتلك القدرة المالية والمؤسساتية والسياسية لتحويل هذا البديل إلى سياسات عمومية، وحمايته داخل حكومة ائتلافية؟

فهنا تحديدا تبدأ المسافة بين برنامج انتخابي جذاب ومشروع حكومي قابل للحياة.

اقرأ أيضا…

تحالف اليسار..من «ماذا سنعطي؟» إلى «من يقرر؟»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى