
يشهد قطاع الصحة بالمغرب منعطفا تنظيميا جديدا، بعد دخول وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مرحلة من التشدد في تطبيق القوانين المؤطرة لمزاولة المهنة، في خطوة تستهدف وضع حد لظاهرة “ازدواجية العمل” التي ظلت لسنوات محل جدل واسع داخل الأوساط الطبية.
وفي هذا السياق، أصدر وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، تعليمات صارمة تقضي بمنع أطباء القطاع العام من الاشتغال داخل المصحات الخاصة، مع التشديد على تفعيل آليات المراقبة والزجر في حق المخالفين.
نحو إنهاء تضارب المصالح داخل المنظومة الصحية
القرار الجديد يعكس توجها واضحا نحو القطع مع ممارسات كانت تطرح إشكالا أخلاقيا ومهنيا، حيث يؤدي الجمع بين العمل في المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة إلى تضارب في المصالح، ويؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة داخل المرافق العمومية.
وتفيد المعطيات بأن الوزارة لم تكتفِ بإصدار التعليمات، بل ربطت تنفيذها بإجراءات تأديبية صارمة، من بينها توقيف كل طبيب يتم ضبطه متلبسا بمزاولة العمل في القطاع الخاص، مع إحالة ملفه على المجالس التأديبية المختصة لاتخاذ العقوبات اللازمة.
رسائل حازمة وإعادة ترتيب الأولويات
هذه الخطوة تحمل في طياتها رسائل قوية، أبرزها إعادة الاعتبار للمرفق الصحي العمومي، الذي يعاني من ضغط متزايد ونقص في الموارد البشرية، مقابل تزايد الإقبال على القطاع الخاص.
كما يُنتظر أن تساهم هذه الإجراءات في تحسين التزام الأطر الطبية داخل المستشفيات العمومية، وضمان حضور فعلي ومستمر للأطباء، بدل حالات الغياب أو تقليص ساعات العمل التي كانت تُعزى في كثير من الأحيان إلى الانشغال في المصحات الخاصة.
بين الإصلاح والواقع الميداني
رغم الترحيب الذي قد يلقاه القرار من طرف فئات واسعة من المواطنين، فإنه يطرح في المقابل تحديات عملية، خاصة في ظل الخصاص الذي تعرفه المنظومة الصحية، والذي قد يتفاقم في حال تشديد القيود دون توفير بدائل تحفيزية للأطر الطبية.
ويرى متتبعون أن نجاح هذا التوجه يبقى رهيناً بمدى قدرة الوزارة على تحقيق توازن دقيق بين فرض الانضباط المهني وتحسين ظروف اشتغال الأطباء داخل القطاع العام، سواء من حيث الأجور أو التجهيزات أو بيئة العمل.
إصلاح يختبر النجاعة على الأرض
في المحصلة، يبدو أن وزارة الصحة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الصرامة في التدبير، في محاولة لإعادة الثقة في المنظومة الصحية العمومية. غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى ترجمة هذه القرارات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، بعيداً عن منطق التعليمات الظرفية، وفي اتجاه إصلاح هيكلي يعالج أعطاب القطاع من جذورها.





