
واشنطن تصعد عسكريا وطهران تتمسك بشروطها
في تصعيد جديد يهدد بنسف مسار التهدئة الهش في الشرق الأوسط، أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات عسكرية استهدفت مواقع لإطلاق الصواريخ وقوارب إيرانية في جنوب إيران، قالت إنها كانت تحاول زرع ألغام بحرية في مياه الخليج، وذلك بالتزامن مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران في العاصمة القطرية الدوحة.
تصعيد عسكري يهدد التهدئة
القيادة المركزية الأمريكية أوضحت، عبر المتحدث باسمها تيم هوكينز، أن الضربات جاءت في إطار ما وصفته بـ”الإجراءات الدفاعية” لحماية القوات الأمريكية من تهديدات إيرانية متزايدة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن حجم العمليات أو طبيعة الأهداف التي تم تدميرها.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة “فارس”، أن غارات أمريكية وإسرائيلية استهدفت سفناً إيرانية قرب جزيرة لارك في مضيق هرمز، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص على الأقل، وسط تقارير عن سماع دوي انفجارات قرب مدينة بندر عباس الساحلية.
ورغم تأكيد السلطات الإيرانية أن الأوضاع “تحت السيطرة”، فإن الضربات الجديدة تعكس هشاشة وقف إطلاق النار القائم منذ الثامن من أبريل/نيسان، وتكشف أن أي حادث ميداني قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
مفاوضات الدوحة تحت ضغط النار
التصعيد العسكري جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ وصل وفد إيراني رفيع المستوى إلى الدوحة لإجراء محادثات جديدة بوساطة إقليمية ودولية تهدف إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أشهر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
ويضم الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إضافة إلى محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، في إشارة إلى أن المفاوضات لم تعد تقتصر على الجوانب الأمنية والنووية، بل تمتد أيضاً إلى ملفات اقتصادية حساسة، من بينها الأموال الإيرانية المجمدة والعقوبات.
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أقرّ بإحراز تقدم في “عدد كبير من الملفات”، لكنه شدد على أن الاتفاق النهائي “ليس وشيكاً”، متهماً واشنطن بتغيير مواقفها خلال المفاوضات.
في المقابل، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن فرص التوصل إلى اتفاق لا تزال قائمة، لكنه ربط ذلك بما وصفه بـ”الصفقة الجيدة”، مكرراً موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن البديل عن الاتفاق سيكون “العودة إلى ساحة المعركة بشكل أعنف”.
ترامب يربط الاتفاق بالتطبيع مع إسرائيل
وفي تطور لافت، وسّع ترامب سقف مطالبه السياسية، داعياً دولاً عربية وإسلامية، بينها السعودية وقطر وباكستان، إلى الانضمام إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” وتطبيع العلاقات مع إسرائيل كجزء من أي تسوية إقليمية شاملة مع إيران.
هذا الطرح أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في غزة والتوترات في لبنان، حيث تؤكد دول خليجية رئيسية أن أي تطبيع مع إسرائيل يبقى مشروطاً بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تحاول استثمار المفاوضات مع إيران لإعادة رسم التوازنات السياسية في المنطقة، إلا أن هذا التوجه يصطدم بتعقيدات إقليمية عميقة ورفض شعبي واسع لفكرة التطبيع غير المرتبط بحل القضية الفلسطينية.
لبنان على حافة انفجار جديد
بالتوازي مع التوتر الأمريكي الإيراني، تشهد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية تصعيداً خطيراً، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه “تكثيف” العمليات العسكرية ضد حزب الله.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل “لن تبطئ الهجمات بل ستزيدها قوة”، في وقت شن فيه الجيش الإسرائيلي عشرات الغارات على جنوب لبنان وشرقه، مستهدفاً ما قال إنها بنى تحتية تابعة لحزب الله.
ورد الحزب بإعلان مسؤوليته عن هجمات صاروخية استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية شمالي البلاد، مؤكداً أنها جاءت “رداً على خروقات إسرائيلية لوقف إطلاق النار”.
ويخشى مراقبون أن يؤدي تدهور الوضع في لبنان إلى تعقيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية، خاصة أن طهران تصر على أن أي تفاهم إقليمي يجب أن يشمل وقف الحرب في لبنان أيضاً.
أسواق الطاقة تحت الضغط
ورغم التوترات العسكرية، شهدت أسعار النفط تذبذباً لافتاً؛ إذ انخفض خام غرب تكساس بأكثر من 5%، بينما ارتفع خام برنت بنسبة طفيفة، في مؤشر على استمرار حالة القلق والترقب في الأسواق العالمية.
ويظل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، أحد أخطر نقاط التوتر، خصوصاً بعد حديث واشنطن عن محاولات إيرانية لزرع ألغام بحرية.
وأكد ماركو روبيو أن الولايات المتحدة “ستضمن إعادة فتح المضيق بطريقة أو بأخرى”، معتبراً أن أي تهديد لحركة الملاحة الدولية “غير مقبول”.
مشهد إقليمي مفتوح على الاحتمالات
المشهد الحالي يعكس معادلة شديدة التعقيد: مفاوضات سياسية تتحرك تحت وقع التصعيد العسكري، وضغوط أمريكية لفرض ترتيبات إقليمية جديدة، مقابل إصرار إيراني على ربط أي اتفاق بملفات النفوذ الإقليمي، خصوصاً في لبنان.
وبينما تسعى واشنطن إلى انتزاع اتفاق يوقف الحرب ويضمن أمن الملاحة والطاقة، تبدو إسرائيل ماضية في توسيع عملياتها العسكرية، ما يهدد بإفشال أي تفاهمات قبل أن ترى النور.
وفي ظل هذا التداخل بين المسارات العسكرية والدبلوماسية، يبقى الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي خطأ ميداني أو حساب سياسي خاطئ أن يعيد المنطقة إلى مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.





