الرئسيةرياضة

الصيباري..من وجع الطفولة إلى وهج المونديال

في مونديال 2026، لم يكن إسماعيل الصيباري مجرد لاعب يسجل الأهداف، بل تحول إلى عنوانٍ لقصة إنسانية استثنائية، وإلى وجهٍ جديد من وجوه الحلم المغربي. هدف في مرمى البرازيل، وآخر منح “أسود الأطلس” فوزهم الأول أمام اسكتلندا، جعلا اسمه يتردد بقوة بين نجوم البطولة، لكن ما يختبئ خلف هذه الأضواء أكثر إثارة من الأهداف نفسها.

الصيباري نضج كرويا في هولندا

ولد الصيباري في إسبانيا، وترعرع في بلجيكا، ونضج كرويا في هولندا، قبل أن يختار بقلبه تمثيل المغرب.

وبين هذه العوالم الثلاثة تشكلت شخصيته، فصار يتحدث خمس لغات بطلاقة ويتنقل بين الثقافات بالسهولة نفسها التي يتنقل بها بين خطوط الملعب.

غير أن بداية الحكاية لم تكن كروية بقدر ما كانت معركةً مع الجسد. ففي طفولته المبكرة، واجه مشكلة معقدة في قدميه جعلت الأطباء يشككون في قدرته على المشي بصورة طبيعية.

كان النوم رفاهية نادرة لطفل يحلم بالجري خلف كرة

عاش سنواته الأولى بين المستشفيات وأجهزة التقويم الثقيلة، مرتدياً حذاء طبيا موصولا بقضبان معدنية تصل إلى ركبتيه. كانت الليالي طويلة ومؤلمة، وكان النوم رفاهية نادرة لطفل يحلم بالجري خلف كرة لا يستطيع حتى مطاردتها.

في تلك المرحلة، كانت والدته السند الدائم؛ تراقب علاجه وتخفف عنه أوجاعه، بينما كان والده يزرع فيه قيمة الانضباط والعمل، مقتنعا بأن كرة القدم وحدها لا تكفي لبناء الإنسان.

وحين بدأت قدماه تستجيبان للعلاج، بدأ حلم الكرة يكبر معه.

غير أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. ففي أحد الأيام، وصل إلى مركز تدريب نادي أندرلخت معتقدا أن موسما جديدا ينتظره، ليُفاجأ بأن النادي قرر الاستغناء عنه عبر رسالة إلكترونية لم تصل إلى والده.

كانت صدمة قاسية لطفل يعتقد أن أبواب المستقبل قد أُغلقت فجأة في وجهه.

لكن الصيباري لم يستسلم. انتقل بين أكاديميات بلجيكية مختلفة، وواصل بناء نفسه بصبر، قبل أن يجد فرصته الحقيقية في هولندا، حيث بدأ اسمه يلمع تدريجيا مع آيندهوفن.

وكان لكرة القدم داخل القاعات دور خفي في صناعة اللاعب الذي نراه اليوم.

ففي المساحات الضيقة للفوتسال، تعلم التفكير السريع، والتحكم الاستثنائي بالكرة، واتخاذ القرار تحت الضغط. هناك صُقلت موهبته التقنية، وهناك اكتسب تلك اللمسات التي تمنحه القدرة على الإفلات من الرقابة وصناعة الفارق.

من الخوف من إضاعة الفرص إلى الإيمان بقدرته على التسجيل

على أرض الملعب، يبدو الصيباري لاعبا يصعب حبسه في مركز واحد. فهو صانع ألعاب، وجناح، ولاعب وسط متقدم في الوقت ذاته. يحمل الكرة بثقة، يخترق الخطوط، ويجيد المراوغة بمهارة لافتة.

أما أمام المرمى، فقد خاض معركة أخرى مع نفسه، اعترف يوما أنه كان يفكر كثيرا قبل التسديد، حتى أصبح يعمل على تغيير عقليته بالكامل؛ من الخوف من إضاعة الفرص إلى الإيمان بقدرته على التسجيل.

هذا التحول الذهني انعكس بوضوح على أرقامه. فقد أصبح أحد أبرز نجوم آيندهوفن، مساهما بعشرات الأهداف والتمريرات الحاسمة، ومتوجا بجائزة أفضل لاعب في الموسم.

ولم يعد مستغربا أن يرتبط اسمه بانتقال ضخم نحو بايرن ميونيخ، في صفقة قد تكون من الأكبر في مسيرته.

ورغم أنه كان قادرا على تمثيل إسبانيا أو بلجيكا، فإن الصيباري لم يتردد طويلاً في اختيار المغرب.

لم يكن قراره اللععب للمغرب حسابات رياضية بقدر ما كان إحساسا بالانتماء

بالنسبة إليه، لم يكن القرار حسابات رياضية بقدر ما كان إحساساً بالانتماء، أراد أن يحمل قميص البلد الذي ينتمي إليه والداه، وأن يكتب فصله الخاص في قصة كرة القدم المغربية.

بعيداً عن المستطيل الأخضر، يظهر الصيباري بصورة مختلفة؛ شاب بسيط، مرتبط بدينه، حريص على صلواته، ويجد في رمضان مساحة للسكينة الروحية.

كما لا يخفي عشقه للمطبخ المغربي، خصوصا الرفيسة والكسكس، ويتباهى بقدرته على إعداد كأس شاي مغربي كما ينبغي.

ولعل أكثر ما يختصر شخصيته تلك العبارة التي يرددها دائماً: “الفوز لا يكون ممتعا إلا إذا كانت الخسارة مؤلمة”، عبارة تكشف عقلية لاعب تعلم منذ طفولته أن الألم ليس نهاية الطريق، بل بدايته أحيانا.

هكذا أصبح إسماعيل الصيباري أكثر من مجرد لاعب متألق في كأس العالم، إنه قصة إرادة انتصرت على القيود، وحلم بدأ بطفل يكافح للمشي، وانتهى بنجم يقود ملايين المغاربة إلى الفرح.

المصدر: وكالات ومواقع إعلامية

اقرأ أيضا….

الصيباري يمنح الأسود أفضلية مبكرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى