
لم تعد معادلة أسعار المحروقات في السوق الدولية تُقاس فقط بتطور أسعار النفط الخام، إذ برز خلال السنوات الأخيرة عامل جديد أكثر تأثيرا، يتمثل في اتساع هوامش تكرير المشتقات النفطية، خصوصا الغازوال، في ظل تراجع القدرات التكريرية العالمية وارتفاع الطلب على المنتجات المكررة.
وفي هذا السياق، يرى الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، أن الأزمات الجيوسياسية المتتالية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية والحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ألحقت أضراراً كبيرة بعدد من منشآت التكرير، ما ساهم، بحسب تقديره، في تقليص القدرة التكريرية العالمية وخلق عجز هيكلي في مواجهة الطلب المتزايد على المشتقات النفطية، وعلى رأسها الغازوال، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.
انفصال بين الخام والمشتقات
ويشير اليماني إلى أن الأسواق الدولية تشهد منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية انفصالاً متزايداً بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات المكررة، وهي ظاهرة يقول إنها تفاقمت مع استمرار التوترات والحروب في منطقة الشرق الأوسط.
ويستدل على ذلك بما يعتبره تحولاً لافتاً في السوق الدولية خلال الأسبوع الجاري، حيث وصل الفارق بين سعر برميل النفط الخام وسعر برميل الغازوال المكرر إلى مستويات غير مسبوقة، وفق المعطيات التي قدمها. فبينما جرى تداول برميل النفط الخام في حدود 90 دولاراً، بلغ سعر برميل الغازوال الصافي نحو 191 دولاراً، أي بفارق يتجاوز 100 دولار.
وتكشف هذه الفجوة، بحسب اليماني، أن كلفة التكرير وهوامش أرباح المصافي أصبحت عاملاً أساسياً في تحديد أسعار المشتقات النفطية، بعدما كان التركيز ينصب بدرجة أكبر على سعر النفط الخام.
المغرب أمام معادلة مختلفة
هذه التحولات الدولية تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي فقد منذ توقف مصفاة «سامير» جزءاً أساسياً من قدرته على تكرير النفط محلياً، وأصبح يعتمد بشكل كبير على استيراد المنتجات النفطية المكررة.
ويرى اليماني أن هذا الوضع جعل السوق المغربية أكثر ارتباطاً بأسعار المشتقات الجاهزة في الأسواق الدولية، وليس بسعر النفط الخام وحده. ويقدم، في هذا الإطار، مقارنة بين سعر لتر النفط الخام، الذي يقدره بنحو 5.2 دراهم، وسعر لتر الغازوال الذي يصل إلى حوالي 10.2 دراهم، معتبراً أن الفارق يعكس بصورة مباشرة الكلفة الإضافية المرتبطة بالتكرير وسلسلة استيراد وتسويق المنتجات النفطية.
وبحسب تقديراته، يقترب الاستهلاك المغربي من الغازوال من سبعة مليارات لتر سنوياً، ما يعني أن اتساع الفارق بين أسعار الخام والمشتقات يمكن أن يترجم إلى كلفة مالية ضخمة على الاقتصاد الوطني. ويقدر اليماني هذه الكلفة بالنسبة للغازوال وحده بأكثر من 35 مليار درهم سنوياً، دون احتساب البنزين ووقود الطائرات وباقي المشتقات.
غير أن هذه الأرقام تظل تقديرات مرتبطة بطريقة احتساب الفارق بين الخام والمنتجات النهائية، ولا تعني بالضرورة أن كامل الفارق يمثل «خسارة» مباشرة للاقتصاد المغربي، إذ تدخل في السعر النهائي عناصر أخرى، من بينها تكاليف النقل والتخزين والتأمين والضرائب وهوامش التوزيع والتسويق.
أزمة المحروقات تتجاوز سعر النفط
وتعيد هذه المعطيات النقاش حول طبيعة أزمة المحروقات في المغرب. فهبوط أو ارتفاع سعر النفط الخام لم يعد وحده كافياً لتفسير اتجاه أسعار الغازوال والبنزين في السوق الوطنية، خصوصاً في ظل التحولات التي طرأت على سوق التكرير العالمية.
كما أن تحرير أسعار المحروقات وإنهاء الدعم المباشر عنها جعلا الأسعار المحلية أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق الدولية. وهو ما يثير، من جديد، أسئلة حول قدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص الصدمات الخارجية، خصوصاً عندما تتزامن الأزمات الجيوسياسية مع ارتفاع الطلب وتراجع الطاقة التكريرية العالمية.
وتتجاوز انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات المستهلك الفردي، لتطال كلفة النقل والإنتاج والخدمات، وبالتالي أسعار مجموعة واسعة من السلع والمواد. كما يمكن أن تؤثر في تنافسية المقاولات المغربية، ولا سيما القطاعات الأكثر ارتباطاً بالنقل والطاقة.
«سامير» تعود إلى صلب النقاش
من هذه الزاوية، يعيد اليماني طرح مطلب إعادة تشغيل مصفاة «سامير» بالمحمدية، باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز السيادة الطاقية والصناعية للمغرب.
فبالنسبة إلى أنصار إعادة تشغيل المصفاة، لا يتعلق الأمر فقط بتوفير قدرة محلية على تكرير النفط، وإنما أيضاً بامتلاك جزء من أدوات مواجهة الأزمات الدولية، وتكوين مخزونات استراتيجية، وتقليص بعض تكاليف الاعتماد الكامل على استيراد المنتجات المكررة.
ويربط اليماني هذا الخيار كذلك بالبعد الاجتماعي والاقتصادي للمصفاة، مشيراً إلى فقدان آلاف مناصب الشغل المرتبطة مباشرة وغير مباشرة بنشاط «سامير»، ومعتبراً أن إعادة تشغيلها يمكن أن تساهم في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي بمدينة المحمدية والجهة.
السيادة الطاقية في مواجهة عالم مضطرب
وتضع التطورات الحالية ملف التكرير أمام سؤال استراتيجي يتجاوز الجدل حول سعر اللتر في محطات الوقود: هل يستطيع المغرب الاستمرار في الاعتماد على الأسواق الخارجية للمشتقات النفطية في عالم تتسع فيه دائرة الحروب والأزمات؟
فالرهان، وفق هذا المنظور، لا يرتبط فقط بالبحث عن سعر أقل للمحروقات، وإنما ببناء قدرة وطنية على التعامل مع الصدمات الخارجية، من خلال تنويع مصادر الإمداد، وتعزيز المخزونات، وتطوير البنية التحتية الطاقية، وإعادة تقييم جدوى امتلاك طاقة تكريرية محلية.
وبذلك، فإن أزمة المحروقات الحالية تعيد «سامير» إلى واجهة النقاش الاقتصادي والسياسي، ليس باعتبارها مجرد مصفاة متوقفة، وإنما باعتبارها جزءاً من سؤال أكبر حول مستقبل الأمن والسيادة الطاقية للمغرب. وبينما تتجه الأسواق الدولية نحو مزيد من التقلب وعدم اليقين، يبدو أن تكلفة غياب التكرير المحلي لم تعد تُقاس فقط بكلفة استيراد النفط، وإنما أيضاً بكلفة استيراد المنتجات المكررة وهوامش تكريرها، وما يترتب عن ذلك من تأثيرات على القدرة الشرائية للمغاربة وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني.





