
هند رجب.. الجريمة تعود لملاحقة الاحتلال
بعد أكثر من عامين على مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب، يجد جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه أمام مفارقة صارخة: المؤسسة العسكرية التي طالما كانت طرفا في الاتهامات المتعلقة بجرائم قتل وانتهاكات في قطاع غزة، تعود اليوم لتفتح تحقيقا جنائيا داخليا في واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الرأي العام الدولي.
أعلن جيش الاحتلال فتح تحقيق جنائي داخلي في ملابسات مقتل هند رجب
وبينما تقدم إسرائيل الخطوة باعتبارها مسارا نحو كشف الحقيقة، ترى جهات حقوقية أن المشهد يكشف تحولا لافتاً، ولو جزئيا، من موقع الجهة التي تتولى التحقيق إلى موقع الجهة التي باتت مطالبة بالإجابة عن أسئلة الجريمة والمسؤولية.
وأعلن جيش الاحتلال فتح تحقيق جنائي داخلي في ملابسات مقتل هند رجب وأفراد من عائلتها، إلى جانب مقتل 15 من عناصر الطواقم الطبية والإغاثية في قطاع غزة خلال عام 2025، وذلك عقب مراجعة أجرتها آلية عسكرية إسرائيلية تعرف باسم «آلية تقصي الحقائق والتقييم»، وشملت خمس وقائع أسفرت عن مقتل فلسطينيين.
تحقيق اسرائيلي بلا مصداقية ولا ضمانات
غير أن الخطوة الإسرائيلية لم تلق ترحيبا من مؤسسة هند رجب، التي شككت في جدية التحقيقات، معتبرة أن إخضاع جنود الجيش للتحقيق من طرف مؤسسات عسكرية وقضائية إسرائيلية لا يمكن أن يشكل، في حد ذاته، ضمانة لتحقيق العدالة.
فالمؤسسة ترى أن التجربة السابقة تظهر محدودية قدرة المنظومة الإسرائيلية على محاسبة أفراد قواتها عندما يتعلق الأمر بانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وتستحضر المؤسسة في هذا السياق قضية الصحافية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة، التي خلص تحقيق إسرائيلي إلى وجود احتمال كبير بأن تكون قد قُتلت بنيران جنود إسرائيليين، لكنه انتهى في المقابل إلى عدم وجود شبهة جنائية تبرر فتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية.
تكتسب قضية هند رجب حساسية خاصة بالنظر إلى تفاصيل مقتلها
وتكتسب قضية هند رجب حساسية خاصة بالنظر إلى تفاصيل مقتلها، ففي 29 يناير 2024، عُثر عليها مقتولة داخل سيارة في مدينة غزة، بعدما كانت برفقة عدد من أفراد عائلتها.
وكانت الطفلة، التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها، قد تمكنت من التواصل هاتفيا مع فرق الإنقاذ، في مشهد أثار صدمة واسعة، قبل أن تنقطع أخبارها وتُعثر عليها لاحقا جثة إلى جانب أفراد من عائلتها.
وفي مراحل سابقة، نفى جيش الاحتلال وجود قوات له في المنطقة التي وقعت فيها الحادثة، غير أن تحقيقات مستقلة، مدعومة بمواد بصرية وتسجيلات صوتية، قدمت أدلة على وجود قوات وآليات إسرائيلية في محيط المكان، ما جعل الرواية الإسرائيلية موضع تشكيك واسع.
تحولت هند إلى رمز للمطالبة بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الإسرائيلية خارج إسرائيل
ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود التحقيق الصحفي والحقوقي، إذ تحولت هند رجب إلى رمز للمطالبة بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الإسرائيلية خارج إسرائيل.
فقد تأسست مؤسسة تحمل اسمها، واتخذت من الملاحقة القضائية الدولية والوطنية مساراً رئيسياً في عملها.
وتقول المؤسسة إنها أجرت تحقيقا مستقلا حددت من خلاله، بحسب ما أعلنت، الوحدة العسكرية والقادة والجنود الذين تعتبرهم مسؤولين عن مقتل هند رجب وأفراد عائلتها والمسعفين الذين حاولوا الوصول إليها.
كما أعلنت تحديد أسماء ثلاثة قادة عسكريين و22 جنديا، وتقديم الأسماء والأدلة التي جمعتها إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تقديم شكاوى في عدد من الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب خارج أراضيها.
ضرورة نقل ملف المحاسبة من المنظومة التي ينتمي إليها المتهمون إلى قضاء مستقل
وبذلك، لا تنظر المؤسسة إلى التحقيق الإسرائيلي باعتباره نهاية للقضية، بل تعتبره جزءا من معركة أوسع حول الجهة التي تملك حق التحقيق والحكم في جرائم يُتهم بها أفراد من الجيش الإسرائيلي.
فبالنسبة إليها، لا تكمن المسألة فقط في معرفة من ضغط على الزناد، وإنما في نقل ملف المحاسبة من المنظومة التي ينتمي إليها المتهمون إلى قضاء مستقل قادر على تحديد المسؤوليات وملاحقة أصحابها.
وهكذا، تتحول قضية هند رجب من مجرد ملف جنائي إلى اختبار لمفهوم العدالة نفسه: هل يظل الجيش هو من يحقق في أفعال جنوده، أم أن الضغوط الدولية والملفات القضائية الخارجية بدأت تدفع المتهم إلى الوقوف، ولو تدريجيا، في الجهة الأخرى من المعادلة؛ أي من موقع من يملك سلطة التحقيق إلى موقع من يُطلب منه تقديم الأجوبة أمام جهات قضائية تتجاوز حدوده؟





