
مع اقتراب موعد الانتخابات، بدأت ملامح “معركة” أخرى تتشكل خلف واجهة الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية؛ معركة لا تدور بالضرورة حول الأفكار والمشاريع، وإنما حول الأشخاص القادرين على جلب الأصوات وتحريك شبكات النفوذ داخل الدوائر الانتخابية.
ففي الكواليس، يتصاعد سباق محموم لاستقطاب الأعيان والمنتخبين والفاعلين المحليين وأصحاب المصالح، باعتبارهم «مفاتيح انتخابية» تمتلك امتدادات اجتماعية وعلاقات واسعة وقدرة على التأثير في اختيارات جزء من الناخبين.
وفي هذا النوع من المنافسة، يبدو البرنامج الانتخابي أحيانا في آخر قائمة الاهتمامات، بينما يتقدم سؤال أكثر براغماتية على الطريقة المغربية: من يستطيع أن يجلب أكبر عدد من الأصوات؟
من البرامج إلى «اصطياد» المرشحين
في الوقت الذي تتحدث فيه الأحزاب عن تخليق الحياة السياسية وتكافؤ الفرص والتنافس على أساس البرامج والحصيلة، تتحول فترة ما قبل الانتخابات إلى سوق سياسية مفتوحة، تتنافس فيها التنظيمات على استقطاب الأسماء ذات الوزن الانتخابي.
الأعيان، المنتخبون المحليون، البرلمانيون، رؤساء الجماعات والفاعلون الذين راكموا شبكات من العلاقات والمصالح، يتحولون إلى أوراق انتخابية ثمينة، خصوصا عندما يكون بإمكانهم التأثير في كتلة من الناخبين داخل مناطقهم.
وهكذا، يصبح الانتقال من حزب إلى آخر أكثر من مجرد تغيير للانتماء السياسي؛ إذ قد يتحول إلى صفقة انتخابية أو إعادة تموقع داخل خريطة النفوذ المحلية، خصوصاً عندما تكون الانتخابات على الأبواب.
الأحرار يفتحون النار على «الاستمالات»
في خضم هذا المشهد، وجه حزب التجمع الوطني للأحرار انتقادات مباشرة إلى ما يعتبره حملة لاستقطاب عدد من منتخبيه ومرشحيه ومسؤوليه، متهما حزب الأصالة والمعاصرة بالوقوف وراء هذه التحركات.
وخلال اجتماع مكتبه السياسي، الثلاثاء 25 غشت 2026، برئاسة رئيس الحزب محمد شوكي، قال التجمع الوطني للأحرار إن ما يحدث تجاوز، في تقديره، حدود التنافس السياسي الطبيعي، وأصبح يطرح أسئلة جدية حول قواعد المنافسة قبل الاستحقاقات المقبلة.
واعتبر الحزب أن تواتر الحالات وتشابه الأساليب لا يسمحان، بحسب روايته، بالتعامل معها باعتبارها مجرد انتقالات فردية معزولة.
أسماء تتحول إلى «أوراق انتخابية»
وتوقف المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار عند عدد من الأسماء التي قال إن بعضها سبق أن أعلن الحزب ترشيحه للانتخابات المقبلة، بينما لا يزال بعضها الآخر يمارس مهام انتدابية باسمه.
وذكر البلاغ كلا من عبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري.
ويرى الحزب أن استقطاب مثل هذه الأسماء لا يمكن فصله عن السباق الانتخابي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصيات لها حضور محلي أو امتداد انتخابي يمكن أن يمنح أي تنظيم سياسي دفعة مهمة في معركة الأصوات.
«الميركاتو» يصل إلى قلب الأغلبية
ولم يحصر التجمع الوطني للأحرار اعتراضه في هذه الحالات، بل استحضر أيضا ما وصفه بـ«الانتقالات الهجينة» التي عرفتها جهة الداخلة بين مكونات أخرى من الأغلبية.
واعتبر أن انتقال الظاهرة إلى منتخبين من التجمع الوطني للأحرار يكشف، بحسب تقديره، عن منطق جديد في التنافس السياسي، يقوم على استقطاب الأشخاص أكثر مما يقوم على التنافس حول المشاريع والبرامج والأفكار.
وهي معادلة تختصرها الانتخابات أحياناً في سؤال واحد: من يملك شبكة الأصوات الأقوى؟
حين يصبح النفوذ أهم من البرنامج
تكشف هذه التطورات عن واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في المواسم الانتخابية: صعود قيمة «النفوذ المحلي» على حساب قوة المشروع السياسي.
فالشخص الذي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات، أو حضوراً اجتماعياً واقتصادياً قوياً، أو قدرة على التأثير في عدد كبير من الناخبين، قد يصبح أكثر جاذبية للحزب من مرشح يملك خطاباً سياسياً قوياً لكنه يفتقر إلى قاعدة انتخابية جاهزة.
وبذلك، يتحول المرشح أحيانا إلى «استثمار انتخابي»، ويصبح استقطابه جزءا من حسابات الربح والخسارة، فيما تتراجع الأسئلة المرتبطة بالبرامج والسياسات العمومية إلى الخلف، يفعلها الأحرار كما يفعلها البام…
الأعيان.. القوة الناعمة في الانتخابات
في العديد من الدوائر، لا تحتاج الأحزاب إلى إقناع كل ناخب على حدة؛ يكفيها أحياناً استقطاب الشخص الذي يستطيع الوصول إلى مئات أو آلاف الناخبين.
وهنا تكمن قيمة الأعيان وأصحاب النفوذ والفاعلين المحليين، الذين يتحولون خلال المواسم الانتخابية إلى هدف رئيسي للأحزاب المتنافسة.
إنها معركة حول «مفاتيح الأصوات» أكثر منها معركة حول تفاصيل البرامج، وهو ما يجعل فترة ما قبل الانتخابات أشبه بموسم انتقالات سياسية، تتغير فيه الولاءات والتحالفات وفق حسابات دقيقة تتجاوز في كثير من الأحيان الخطاب الإيديولوجي للحزب.
الأحرار: لن نرد بالمثل
وأكد التجمع الوطني للأحرار أنه لن يقبل بما وصفه بهذه الممارسات كأمر واقع، محتفظا بحقه في اتخاذ ما يراه مناسبا من مواقف وسلوك المساطر التي يكفلها القانون.
وفي المقابل، شدد الحزب على أنه لن يواجه هذه الممارسات بممارسات مماثلة، مؤكدا تمسكه بقواعد التنافس السياسي النزيه.
وقال إنه سيواصل الاستعداد للانتخابات اعتمادا على حصيلته وبرنامجه وتنظيمه، وعلى ما وصفه بقوة نسائه ورجاله.
صراع النفوذ قبل صناديق الاقتراع
ويبدو أن المعركة الانتخابية بدأت فعليا قبل موعد فتح صناديق الاقتراع، لكن ساحتها الأولى ليست المنصات الانتخابية، وإنما الكواليس.
هناك، تتشكل التحالفات، وتُختبر الولاءات، وتُستقطب الأسماء، وتُعاد هندسة شبكات النفوذ استعداداً ليوم الاقتراع.
وبينما يفترض أن تكون الانتخابات مناسبة للتنافس حول الحصيلة والبرامج والمشاريع، فإن تنامي «الميركاتو الانتخابي» يعيد إلى الواجهة سؤالا أكثر عمقا حول طبيعة المنافسة السياسية: هل تتنافس الأحزاب على إقناع المواطن، أم تتنافس أولاً على امتلاك الشخصيات القادرة على التأثير في المواطن؟
الصندوق في النهاية.. لكن من يصل إليه؟
ويؤكد التجمع الوطني للأحرار أن الفيصل النهائي يجب أن يكون صناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، مستحضرا مبدأ الاختيار الديمقراطي المنصوص عليه دستوريا.
لكن الجدل الذي أثاره الحزب يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الانتخابات المقبلة: هل ستكون مواجهة بين البرامج والمشاريع، أم سباقا محموما للسيطرة على شبكات النفوذ واستقطاب أكبر عدد من «مفاتيح الأصوات»؟
ففي النهاية، قد تكون الصناديق هي التي تعلن النتائج، لكن المعركة على الأصوات قد تكون حُسمت جزئيا قبل يوم الاقتراع، في الكواليس وبين شبكات الأعيان والمنتخبين وأصحاب النفوذ.





