
حين يصطدم خطاب الأحرار عن التعليم بجدار الأرقام
قدم وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة في لقاء حزبي بميدلت، صورة متفائلة عن إصلاح المدرسة المغربية، متحدثاً عن «ثورة» تسير في «الطريق الصحيح»، وعن ضرورة منح تلاميذ الجبل والمدينة فرصا متكافئة للنجاح والاستمرار، غير أن الخطاب السياسي، مهما كان براقا، يظل مطالبا باجتياز امتحان أبسط وأكثر قسوة: ماذا تغير فعليا في مستوى تعلم التلميذ؟
لا يمكن إنكار أن المغرب قطع أشواطاً في توسيع الولوج إلى التعليم وتعميم التمدرس، وهي مكاسب مهمة في بلد ما تزال فيه الفوارق المجالية والاجتماعية مؤثرة في المسار الدراسي، لكن نجاح المدرسة لا يقاس فقط بعدد الأطفال الذين يدخلونها، وإنما أيضاً بما يحملونه معهم حين يغادرونها، ومن هنا تبدأ المسافة بين “توسيع المدرسة وتحسينها”.
حين يصبح حجم الإنفاق نفسه سؤالاً
تزداد هذه المسافة أهمية أمام حجم الموارد التي تخصصها الدولة للقطاع، ففي مشروع قانون مالية 2026، بلغت الاعتمادات المخصصة للتربية الوطنية والتعليم الأولي 97.1 مليار درهم، بزيادة تفوق 13% عن السنة السابقة، مع برمجة آلاف المؤسسات والأقسام وتوسيع برنامج «مدارس الريادة».
من حق الحكومة أن تقدم هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على أولوية التعليم، لكن ضخامة الاعتمادات تطرح في المقابل سؤالاً أكثر إزعاجاً: :ما مردودية هذا الإنفاق على التعلمات؟” فعدد المدارس والبرامج والميزانيات يظل مؤشراً على حجم الجهد، وليس بالضرورة على أثره، والمؤشر الأكثر حسماً هو ما إذا كان التلميذ يستطيع، بعد سنوات من الدراسة، أن يقرأ ويفهم ويحسب ويفكر.
PISA.. هنا تتراجع قوة الخطاب
فعندما ننتقل من لغة المشاريع إلى نتائج التعلم، تصبح الصورة أكثر قتامة، حيث حصل المغرب في اختبار PISA 2022، على 365 نقطة في الرياضيات، و339 في القراءة، و365 في العلوم، مقابل متوسطات بلغت على التوالي 472 و476 و485 نقطة لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
والفجوة لا تتوقف عند المعدلات، ففي الرياضيات، لم يبلغ المستوى الثاني، باعتباره الحد الأدنى من الكفاية، سوى 18% من التلاميذ المغاربة مقابل 69% في دول المنظمة، وفي القراءة بلغت النسبة 19% مقابل 74%، كما حل المغرب في المرتبة 78 من أصل 80 دولة في القراءة، و71 في الرياضيات، و75 في العلوم.
هنا لا تعود المشكلة مجرد ترتيب دولي سيئ؛ بل سؤالاً حول قدرة المدرسة على أداء وظيفتها الأساسية: :إنتاج الحد الأدنى من الكفايات التي يحتاجها المواطن في حياته ودراسته وعمله.”
من فشل التعلم إلى إعادة إنتاج الفوارق
وحين تضعف الكفايات الأساسية، لا يبقى الأثر داخل الفصل، فالتلميذ الذي يدخل سوق العمل بمهارات محدودة تكون فرصه أضعف، بينما تستطيع الأسر الأكثر دخلاً تعويض جزء من قصور المدرسة بالدروس الخصوصية والوسائل التعليمية، وهو ما يجعل جودة التعليم قضية اجتماعية واقتصادية بامتياز.
وتؤكد نتائج PISA هذا البعد؛ إذ بلغ الفارق في الرياضيات بين التلاميذ المغاربة الأكثر والأقل حظاً اجتماعياً واقتصادياً 43 نقطة.. صحيح أن هذا الفارق أقل من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، البالغ 93 نقطة، لكنه يظل دليلاً على أن الظروف الاجتماعية تدخل هي الأخرى إلى القسم وتؤثر في النتائج.
تكافؤ الفرص.. الشعار الذي يحتاج إلى نتيجة
لهذا، فإن حديث الوزير عن مدرسة تمنح أبناء الجبل والمدينة فرصاً متساوية يضع الحكومة أمام معيار واضح: “ليس المطلوب فقط أن يجلس الجميع على مقاعد متشابهة، بل أن يحصل الجميع على فرصة متقاربة لاكتساب المعرفة والمهارات.”
فالإصلاح الحقيقي لا يثبت نفسه في اللقاءات الحزبية ولا في حجم الاعتمادات وحده، وإنما في النتائج التي يمكن قياسها داخل الفصل وبعده، وإذا كانت الدولة تنفق 97.1 مليار درهم على القطاع، بينما تكشف آخر نتائج PISA أن أكثر من ثمانية من كل عشرة تلاميذ لا يبلغون المستوى الثاني في القراءة، فإن السؤال السياسي يصبح مشروعاً: “متى ستتحول «الثورة» التي يتحدث عنها الوزير من خطاب رسمي إلى أثر ملموس في عقل التلميذ؟”





