
تحرير: بثينة المكودي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر، دخلت الأحزاب السياسية مرحلة عرض برامجها الانتخابية، في محاولة لاستمالة الناخبين بوعود وأرقام وشعارات ترسم صورة مختلفة للمغرب خلال الولاية المقبلة.
غير أن برامج أحزاب التحالف الحكومي تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً من مضمون الوعود نفسها ماذا تحقق من الالتزامات التي قُدمت للمغاربة خلال انتخابات 2021؟
فالأحزاب المشاركة في الحكومة، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، تقدم اليوم تصورات جديدة، بينما كان المنتظر سياسياً وأخلاقياً أن تسبق هذه البرامج حصيلة واضحة للولاية المنتهية، تتضمن ما تحقق وما تعثر، والأسباب التي حالت دون تنفيذ باقي الالتزامات.
من الحصيلة إلى الوعود.. هل تغيرت المعادلة؟
المشكلة التي تواجه هذه البرامج لا ترتبط فقط بحجم الوعود، وإنما بمدى قدرة الناخب على ربطها بما عاشه خلال السنوات الخمس الماضية.
فحين يعود حزب إلى تقديم التزام سبق أن طرحه في انتخابات سابقة دون تقديم تفسير مقنع لعدم تحقيقه، فإن السؤال الطبيعي يصبح متعلقاً بالمصداقية أكثر من ارتباطه بالبرنامج نفسه.
ويبرز هنا وعد خلق مليون منصب شغل، الذي كان من أبرز الوعود الانتخابية سنة 2021، قبل أن تعود الواجهة الانتخابية نفسها لتطرح الرقم ذاته تقريباً، في وقت لم يتحقق من الوعد السابق سوى جزء محدود منه، وفق المعطيات الواردة في المادة الأصلية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط برقم انتخابي، بل بمسألة أساسية في الديمقراطيات الحديثة،هل يحق لحزب أن يعيد تقديم الوعد نفسه دون أن يقدم كشف حساب حول أسباب عدم الوفاء به؟
شعارات جديدة.. ومضمون يبحث عن الثقة
اختارت الأحزاب الثلاثة أساليب مختلفة في تقديم برامجها، بين شعارات اجتماعية، ومواثيق والتزامات، ومحاور سياسية واقتصادية.
لكن اختلاف طريقة العرض لا يخفي وجود تقاطعات واضحة في عدد من المقترحات، خصوصاً تلك المرتبطة بالقدرة الشرائية والدعم الاجتماعي والطاقة والطاقات المتجددة.
ويبدو أن لغة البرامج الانتخابية أصبحت أكثر ارتباطاً بالمصطلحات التسويقية، من خلال عناوين جذابة تسعى إلى تبسيط الرسالة السياسية للناخب.
غير أن المواطن، بعد خمس سنوات من التجربة الحكومية، قد لا يكتفي هذه المرة بجاذبية الاسم أو بريق الشعار، بل سيبحث عن سؤال أكثر مباشرة: ما الذي سيتغير فعلياً في حياته؟
الغلاء يفرض نفسه على البرامج
لا يمكن قراءة البرامج الجديدة بعيداً عن ملف القدرة الشرائية، الذي ظل أحد أكثر الملفات حساسية خلال الولاية الحكومية.
فارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، إلى جانب أزمة اللحوم وتداعيات الجفاف، جعلت مسألة الأسعار حاضرة بقوة في النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن إجراءات جديدة لمواجهة غلاء المعيشة، وهو ما يفتح بدوره نقاشاً حول المسؤولية السياسية،هل يتعلق الأمر بمعالجة آثار أزمة اقتصادية ومناخية، أم أن بعض هذه الإجراءات يمثل اعترافاً متأخراً بأن حماية القدرة الشرائية لم تكن بالفعالية المطلوبة؟
الطاقة.. وعد جديد في سوق شديد الحساسية
من بين الملفات التي تستوقف المتابعين أيضاً ما يتعلق بالطاقة، خصوصاً المقترحات المرتبطة بفتح سوق الكهرباء ذات الجهد المتوسط، وتطوير الغاز المسال والهيدروجين الأخضر.
وهي رهانات استراتيجية مهمة بالنسبة للمغرب، غير أن طرحها انتخابياً يحتاج إلى توضيح أكبر حول المستفيد النهائي منها، وكيف ستنعكس على الأسر والمقاولات والأسعار.
فبالنسبة للمواطن، لا تكفي عبارة «السيادة الطاقية» ما لم تتحول إلى أثر ملموس على فاتورة الكهرباء وعلى كلفة الإنتاج والأسعار.
حزب الأصالة والمعاصرة.. أرقام كثيرة وسؤال التمويل
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد اختار بدوره تقديم برنامج قائم على أرقام والتزامات محددة، من بينها رفع الحد الأدنى لبعض المعاشات والدعم الاجتماعي، وإعادة النظر في الضريبة على الدخل، إلى جانب خلق عدد كبير من مناصب الشغل.
غير أن الأرقام الكبيرة تجر معها سؤالاً لا يقل أهمية عن الوعد نفسه: من أين سيأتي التمويل؟
فالبرنامج، بحسب المادة المعتمدة، يتحدث عن كلفة إضافية تراكمية تصل إلى 350 مليار درهم خلال الولاية المقبلة، وهو رقم يستدعي نقاشاً اقتصادياً ومالياً حول مصادر التمويل، وحجم الموارد التي يمكن تعبئتها، وتأثير ذلك على التوازنات المالية للدولة.
فالوعود الانتخابية لا تُقاس فقط بعدد الأصفار التي تتضمنها، وإنما بمدى قابليتها للتحقق على أرض الواقع.
الاستقلال.. محاربة تضارب المصالح بعد تجربة حكومية
بدوره، يطرح برنامج حزب الاستقلال مفارقة سياسية تستحق النقاش، خصوصاً عندما يتحدث عن تقوية آليات محاربة الإثراء غير المشروع وإخراج قانون يتعلق بتضارب المصالح.
فالحزب كان جزءاً من التحالف الحكومي خلال الولاية المنتهية، وبالتالي فإن تقديم هذه الالتزامات يضعه أمام مسؤولية الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا لم تتحول هذه القضايا إلى إجراءات حاسمة خلال الفترة التي كان فيها شريكاً في تدبير الحكومة؟
وهنا تتحول البرامج الانتخابية من مجرد وثائق سياسية إلى امتحان للذاكرة السياسية، لأن الناخب يستطيع مقارنة ما قيل بالأمس بما يقال اليوم.
الناخب أمام امتحان الذاكرة
المشهد الانتخابي الحالي لا يبدو مجرد منافسة بين برامج، بل هو أيضاً مواجهة بين الوعود والحصيلة.
فالأحزاب التي شاركت في الحكومة مطالبة، قبل أن تطلب من المواطنين تجديد الثقة فيها، بأن تشرح لهم بوضوح ما أنجزته خلال الولاية السابقة، وما لم تنجزه، ولماذا.
أما المعارضة والناخبون، فمهمتهم لا ينبغي أن تقتصر على قراءة الشعارات والأرقام، وإنما مساءلة أصحاب البرامج عن آليات التنفيذ، ومصادر التمويل، والآجال، والمؤشرات التي تسمح بقياس النجاح أو الفشل.
وفي النهاية، فإن الانتخابات لا تمنح شيك على بياض لأي حزب، والبرنامج الانتخابي، مهما كان جذاباً، يظل مجرد التزام سياسي إلى أن تثبته الأفعال.
المغاربة هذه المرة لا يبحثون فقط عن وعود أكبر، بل عن إجابات أوضح حول ما تحقق فعلاً، ومن سيتحمل مسؤولية ما لم يتحقق؟





