الرئسيةرأي/ كرونيك

الانتخابات: برنامج الملك وبرنامج الشارع، مأزق التمثيل السياسي

بقلم الصحافية هدى سحلي

إذا كنا في المقال السابق قد حاولنا التمييز بين الاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي يحددها رئيس الدولة وبين التدبير الحكومي لها، وخلصنا إلى أن من يحدد الوجهة الاستراتيجية لا يمكن أن يكون خارج سؤال المسؤولية السياسية.

اقرأ أيضا….

أفق ملكي وتنفيذ حكومي: سؤال المسؤولية السياسية

فإن هذا التمييز يقود إلى ملاحظة أخرى لا تقل أهمية. فالدولة، وإن استطاعت خلال السنوات الماضية أن تنجز أوراشا كبرى وأن تعيد تشكيل جزء مهم من البنية التحتية للبلاد، فهي لم تتمكن من وصل نتائج هذه المشاريع بالمجتمع، ولم يستشعر المواطن أثرها في حياته اليومية.

وزادت الأحزاب السياسية التي أشرفت على تنفيذ تلك المشاريع الطين بلة، حينما ارتبط تنفيذها لهذه المشاريع بمختلف مظاهر الفساد وتضارب المصالح والمحسوبية والزبونية، مما جعل السؤال عن جدوى التدبير لا ينفصل عن سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبينما عجزت الأحزاب السياسية التي تشكلت منها الحكومات المتعاقبة عن إنتاج هذا الرابط بين الإنجاز وتحقيق انتظارات المجتمع، تتحرك كل مرة قوة أخرى لتعبر من خارج المؤسسات، في شكل من أشكال الاحتجاجات.

الإنجاز لا يصنع وحده الثقة

وهنا يبرز «برنامج الشارع» باعتباره الوجه الآخر للمشهد: ليس برنامجا انتخابيا بالمعنى التقليدي، ولا تصورا حزبيا متكاملا، وإنما مجموع المطالب والانتظارات التي راكمها المجتمع، والتي أصبحت تفرض نفسها على أجندة الدولة والحكومة معا.

فيتم كل مرة التفاعل معها من أعلى سلطة في البلاد، بعدما تختفي تلك الأحزاب التي تدبر الشأن العام عن الأنظار.

يصعب إنكار التحول الذي عرفه المغرب على مستوى بنيته التحتية. فقد أنجزت خلال السبعة والعشرين سنة من حكم الملك محمد السادس طرق وموانئ ومطارات ومناطق صناعية ومشاريع في الماء والطاقة والسكك الحديدية والبنيات الرياضية، إلى جانب أوراش استراتيجية تتجاوز في آجالها عمر الحكومات، كما عبر عن ذلك الملك نفسه.

ولهذا، فإن النقاش الجدي لا يمكن أن ينطلق من إنكار هذه المنجزات. السؤال الأهم يقع في مكان آخر:

ما أثر هذه المنجزات على حياة المواطن؟

نجاح الدولة في بناء البنية التحتية لا يعني بالضرورة نجاحها في بناء الثقة، ولا تجيب عن أسئلة المواطن المتعلقة بالمدرسة والمستشفى والعمل والدخل والكرامة وتكافؤ الفرص.

بمعنى آخر، نجح البرنامج الملكي، إلى حد كبير، في بناء البلد، لكن بناء البلد لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأهم: هل نجحت الدولة بالقدر نفسه في بناء الإنسان الذي يعيش داخل هذا البلد؟

هنا تكمن المفارقة الأساسية.

يمكن للمغرب أن يملك طريقا سريعا، وميناء حديثا، وقطارا فائق السرعة، وملاعب لاستقبال أكبر التظاهرات العالمية، وفي الوقت نفسه يظل جزء من الشعب مضطرا إلى الخروج إلى الشارع للتعبير عن مطالبه الخاصة، لدرجة أن يُزج به في غياهب السجون والمعتقلات.

حين لا يصل النمو إلى المواطن

فالمطالب التي أخرجت حركة 20 فبراير سنة 2011، في ظل حكومة الاستقلاليين، هي نفسها التي أخرجت احتجاجات الريف سنة 2015، في ظل حكومة الإسلاميين، وهي نفسها التي أخرجت جيل زد سنة 2025، في ظل حكومة الأحرار.

وانتهى استمرار كل تلك الحكومات في تجاهل مطالب الشارع إلى هروب عشرات الآلاف من المواطنين، يتزعمهم الشباب، نحو الجارة إسبانيا، لعلهم يجدون فيها ما افتقدوه في بلدهم.

فماذا يعني هذا؟

يعني الفشل الذريع لكل من حكومات عباس الفاسي، وبنكيران، والعثماني، وأخنوش، وتتحمل المسؤولية مع هؤلاء كل الأحزاب السياسية التي تشكلت منها تلك الحكومات، ووزراؤها الذين اقترحوا على الملك لتقلد مختلف الحقائب الوزارية فيها.

وما أحداث سبتة التي وقعت يوم اجتماع الطبقة السياسية برمتها ووقوفها يوم تجديد البيعة، بالذات والصفات، إلا إدانة شعبية لكل هؤلاء.

وهذا ليس انطباعا سياسيا، وإنما وقائع تعضدها الأرقام الصادرة عن مؤسسات الحكامة، والتي تكشف حجم الفجوة بين الأداء الاقتصادي وبين أثره الاجتماعي.

اقتصاد ينمو.. وشباب بلا عمل

إذ بلغ معدل النمو الاقتصادي سنة 2025 نحو 4.9%، مقابل 4.4% سنة 2024، وهي نسبة تؤكد استمرار الدينامية الاقتصادية للبلاد.

لكن في المقابل، ظل معدل البطالة في حدود 13%، أي ما يقارب 1.62 مليون عاطل، وبلغ 37.2% لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و19.1% لدى حاملي الشهادات، بينما وصل إلى 20.5% لدى النساء. كما بلغ معدل الشغل الناقص 10.9%.

وهنا تكمن المفارقة: اقتصاد ينمو، واستثمارات تتوسع، وأوراش كبرى تنجز، لكن سوق الشغل لا ينتج بالقدر نفسه الفرص التي ينتظرها المعطلون.

وتصبح المفارقة أكثر وضوحا حين نضع هذه الأرقام في مواجهة حجم التحول الذي عرفته البلاد خلال العقود الماضية.

فإذا كان النمو قد بلغ 4.9% في 2025، فلماذا لا يشعر به شاب تصل نسبة البطالة في فئته العمرية إلى 37.2%؟

وإذا كانت التنمية تنتج فرصا جديدة، فلماذا تظل البطالة بين حاملي الشهادات في حدود 19.1%؟

حين تعجز الحكومة.. يتدخل القصر

واللافت أن هذا العجز لم يبق مجرد حكم نستخلصه من الأرقام، بل إن الدولة، في شخص رئيسها، كانت تعود في كل مرة تقريبا إلى التدخل لمعالجة ما عجزت المؤسسات السياسية والحكومات عن تدبيره.

ففي حراك الريف مثلا، لم تنته الأزمة عند حدود الاحتجاجات أو التدبير الحكومي لها، بل انتهت إلى تدخل ملكي مباشر، بعد أن كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات وتأخر كبير في تنفيذ برنامج «الحسيمة منارة المتوسط».

وفي أكتوبر 2017، أعفى الملك أربعة وزراء ومسؤولين حكوميين، كاعتراف ضمني بمشروعية الاحتجاجات، بينما وجد أصحاب تلك المطالب أنفسهم يقبعون في السجن حتى اليوم.

الاستجابة للمطلب لا تعني إنصاف صاحبه

وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة: قد تستجيب الدولة للمطلب، من دون أن تتسامح بالضرورة مع صاحبه.

وهو ما يطرح سؤالا يتجاوز الحكومة والأحزاب إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والاحتجاج:

إذا كان الشارع يكشف أحيانا عن اختلالات حقيقية في التدبير، فلماذا يُتعامل معه باعتباره مشكلة أمنية أو سياسية، بدل اعتباره آلية للكشف عن أعطاب السياسات العمومية؟

بهذا المعنى، لا يرتبط مأزق «برنامج الشارع» فقط بضعف الوساطة الحزبية، ولكن أيضا بغياب قناة مؤسساتية تستوعب المطالب التي يكشف عنها الاحتجاج وتحولها إلى نقاش وسياسات عمومية.

من يمثل الشارع حين تغيب الوساطة؟

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق:

كيف يمكن بناء تمثيل سياسي فعّال إذا كان المواطن قد يجد نفسه أمام خيارين متناقضين: أن تُسمع مطالبه حين يخرج إلى الشارع، وأن يُعاقب بسبب الطريقة التي اختار بها التعبير عنها؟

وإلا فإنه يختار الهروب من البلد والابتعاد عن التعبير السياسي والاحتجاجي الذي يقوده إلى السجون.

وأمام هذا الوضع يحق لنا التساؤل عن الحل.

فإذا كان مأزق «برنامج الشارع» يعكس، في جانب منه، ضعف قنوات الوساطة بين المجتمع والمؤسسات، وإذا كان الاحتجاج قد أصبح وسيلة للتعبير عن أولويات اجتماعية وكشف اختلالات لم تجد طريقها الكافي إلى السياسات العمومية، فإن السؤال لا يعود فقط:

كيف يمكن احتواء الاحتجاج؟

إنما:

من يستطيع تحويل ما يكشفه الشارع من مطالب واختلالات إلى برنامج سياسي وسياسات عمومية؟

اليسار.. من الاحتجاج إلى البرنامج

في هذه النقطة تحديدا يظهر اليسار باعتباره الفاعل السياسي الأكثر اتصالا بهذا النوع من المطالب.

ليس لأنه يحتكر الاحتجاج، ولا لأن كل احتجاج هو يساري بالضرورة، وإنما لأن اليسار ظل تاريخيا أكثر حضورا في القضايا التي يصعد بها المجتمع إلى المجال السياسي.

فالاحتجاج على المستشفى لا يبقى، في الخطاب اليساري، مجرد احتجاج على نقص التجهيزات، وإنما يتحول إلى سؤال حول الحق في الصحة والخدمة العمومية.

ومطلب الشغل لا يبقى مجرد طلب لوظيفة، وإنما يتحول إلى سؤال حول النموذج الاقتصادي وتوزيع الثروة وفرص الولوج إلى سوق العمل.

والاحتجاج ضد التهميش المجالي لا يبقى مجرد مطلب محلي، وإنما يصبح سؤالا حول العدالة المجالية وتوزيع الاستثمار والفرص بين المناطق.

حين يتحول المطلب الاجتماعي إلى قضية سياسية

وهنا تكمن خصوصية اليسار: قدرته على تحويل المطلب الاجتماعي إلى قضية سياسية.

فهو لا يكتفي عادة بترديد ما يقوله الشارع، وإنما يحاول وضع هذه المطالب داخل تصور أوسع للمجتمع والدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

وبذلك يصبح اليسار، في المشهد السياسي، أقرب الفاعلين إلى «برنامج الاحتجاجات»، بعد فشل غيره، ليس باعتباره بديلا عن الشارع، وإنما باعتباره الطرف القادر على نقل جزء من مطالبه من المجال الاحتجاجي إلى المجال السياسي والمؤسساتي.

فهل يستطيع اليسار أن يحول هذا القرب من الشارع إلى مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة المواطنين، وتحويل الغضب الاجتماعي إلى برنامج انتخابي، ثم إلى سياسات عمومية؟

كيف ذلك؟ يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى