الرئسيةسياسة

الشاوي: لماذا باتت سبتة تُربك الرباط ومدريد؟

لم تعد أزمة سبتة مجرد ملف أمني أو قضية مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، ولقدرة الحكومات على التحكم في مسارات الأزمات التي تتقاطع فيها اعتبارات السيادة والأمن والسياسة والهجرة.

ويقدم الكاتب والروائي عبد القادر الشاوي، في مقال رأي نشره في صحيفة «العربي الجديد»، قراءة لافتة لهذا التحول، مركزاً على صعود فاعلين جدد أصبحوا قادرين على التأثير في العلاقة بين البلدين، وفي مقدمتهم المجتمع المدني والمنصات الرقمية.

ومن هذه الزاوية، لم تعد الدولة اللاعب الوحيد في صناعة المواقف، بعدما أصبح الرأي العام ووسائل الإعلام وشبكات التواصل جزءاً من المعادلة التي تتحرك داخلها الأزمات المغربية الإسبانية.

سبتة.. أزمة تتجاوز الهجرة

الهجرة الجماعية نحو سبتة لم تكن مجرد واقعة حدودية عابرة. فقد وضعت المدينة أمام ضغوط إنسانية وأمنية واقتصادية، قبل أن تنتقل تداعياتها سريعاً إلى مدريد والرباط.

ومع انتشار صور ومقاطع التدفق البشري، تحولت القضية، وفق الإعلامي والدبلوماسي السابق، الشاوي، إلى موضوع سياسي وإعلامي يتجاوز مسألة الهجرة نفسها، وفتح الباب أمام نقاشات تتعلق بالحدود والسيادة وأمن الاتحاد الأوروبي ومستقبل العلاقات مع المغرب.

وهكذا أصبحت سبتة نقطة تتقاطع عندها أزمات متعددة، بعضها مرتبط بالهجرة، وبعضها الآخر بالصراع السياسي الداخلي في إسبانيا وبالملفات العالقة بين البلدين.

اليمين الإسباني يستثمر الأزمة

وجدت القوى اليمينية والمتطرفة في أحداث سبتة فرصة لتوجيه انتقادات حادة إلى الحكومة المركزية، واتهامها بالفشل في حماية الحدود والتعامل مع تدفقات الهجرة.

فالملف، في الحسابات السياسية الإسبانية، لا يتعلق فقط بالمهاجرين، بل أيضاً بصورة الدولة وقدرتها على فرض سيطرتها على حدودها الجنوبية.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يمكن لمثل هذه الأزمات أن تتحول إلى مادة انتخابية بامتياز، خصوصاً بالنسبة إلى القوى التي تبني خطابها على قضايا الأمن والهجرة والسيادة الوطنية.

وبذلك تصبح سبتة جزءاً من معركة سياسية داخل إسبانيا، وليس فقط موضوعا في أجندة العلاقات مع المغرب.

المغرب أمام معركة الصورة

في المقابل، وجد المغرب نفسه أمام تداعيات أخرى للأزمة، عنوانها الأساسي الصورة التي انتقلت إلى الرأي العام الدولي.

فالمشاهد التي أظهرت أعدادا كبيرة من الأشخاص وهم يحاولون الوصول إلى سبتة أعادت إلى الواجهة أسئلة تتجاوز الهجرة: البطالة، والبحث عن فرص أفضل، والإحباط الاجتماعي، ومدى ثقة الشباب في المستقبل.

وقد تكون الصورة في مثل هذه الحالات أكثر تأثيراً من الخطاب الرسمي، لأنها تقدم الحدث بصورة مباشرة ومكثفة يصعب احتواؤها بالبيانات والتوضيحات.

وهنا تكمن إحدى أبرز نتائج الأزمة: فالهجرة لا تصبح فقط مشكلة أمنية، بل تتحول إلى مرآة تعكس اختلالات اجتماعية واقتصادية وتؤثر في صورة الدولة خارج حدودها.

من يملك رواية الأزمة؟

التطور الأهم، وفق مقال الرأي للشاوي، الذي تكشفه هذه الأحداث هو تغير قواعد صناعة الرواية، استنادا للمصدر ذاته، في السابق، كانت الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية تمتلك المساحة الأكبر لتحديد طبيعة الرسالة التي تصل إلى الجمهور. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف والمنصات الاجتماعية قادرين على إنتاج رواية كاملة خلال دقائق.

صورة واحدة قد تتجاوز الحدود، ومقطع فيديو قد يتحول إلى قضية سياسية، ومنشور قد يفرض نفسه على الإعلام ثم يصل إلى البرلمان.

وهنا يبرز المجتمع المدني الرقمي باعتباره فاعلاً جديداً، لا يمتلك أدوات الدولة، لكنه يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام وصناعة الضغط.

المجتمع المدني يدخل على خط العلاقة

يشير الشاوي إلى أن المجتمع المدني والسياسي والإعلامي في إسبانيا لعب أدواراً مختلفة في ملفات مغربية إسبانية عديدة، خصوصاً قضية الصحراء والهجرة والصيد البحري والتبادل الاقتصادي.

لكن الجديد، وفق هذا التصور، هو أن وسائل التواصل الاجتماعي وسعت دائرة الفاعلين وأعطت للأفراد والمجموعات الصغيرة قدرة أكبر على التأثير.

لم يعد النقاش مقتصراً على الحكومات والأحزاب والمؤسسات الرسمية، بل أصبحت الجمعيات والنشطاء والمؤثرون وصناع المحتوى جزءاً من المشهد.

وهذا التحول يجعل إدارة العلاقات الثنائية أكثر تعقيداً، لأن الحكومات لم تعد تتحكم وحدها في اتجاه النقاش العام.

الصحراء نموذج للضغط السياسي والمجتمعي

تظل قضية الصحراء من أبرز الأمثلة على تأثير القوى غير الحكومية في العلاقة المغربية الإسبانية.

فالمواقف الإسبانية من القضية لم تكن دائماً نتاج قرارات حكومية فقط، بل تأثرت أيضاً بمواقف أحزاب وجمعيات ونقابات ووسائل إعلام ومجموعات ضغط.

وينطبق الأمر، بدرجات متفاوتة، على ملفات أخرى مثل الهجرة والصيد البحري والتجارة والمنتجات الفلاحية.

لذلك فإن أي أزمة بين البلدين تحمل في خلفيتها شبكة واسعة من المصالح والضغوط السياسية والإعلامية والمجتمعية، وليس فقط خلافاً بين حكومتين.

علاقة تقوم على إدارة الأزمات

المعضلة الأساسية أن عدداً من الملفات الكبرى بين المغرب وإسبانيا ما زال مفتوحاً، وفي مقدمتها سبتة ومليلية والهجرة وقضية الصحراء.

ولهذا ظلت العلاقات الثنائية تتحرك في كثير من الأحيان بين التوتر والتهدئة.

فعندما تفرض المصالح المشتركة التعاون، يتم تجاوز الخلافات، لكن الملفات الحساسة تعود إلى الواجهة عند أول أزمة جديدة.

إنها علاقة تجمع بين الاعتماد المتبادل وبين إرث تاريخي وسياسي يجعلها شديدة الحساسية أمام أي تطور مفاجئ.

اختلاف النظامين يفرض حسابات مختلفة

تتأثر طريقة إدارة الأزمات أيضاً بالاختلاف بين النظامين السياسيين.

فالحكومة الإسبانية تعمل وسط تعدد كبير في مراكز الضغط، من البرلمان والأحزاب والمعارضة إلى الإعلام والرأي العام والانتخابات.

أما المغرب، فيتحرك ضمن بنية سياسية ومؤسساتية مختلفة، تمنح الدولة مركزية أكبر في إدارة الملفات الاستراتيجية والعلاقات الخارجية.

ومن ثم، فإن أي تفاوض بين الرباط ومدريد لا يجري بالآليات السياسية نفسها، وهو ما يجعل إدارة الأزمات بين الطرفين غير متكافئة من حيث طبيعة القرار ومصادر الضغط.

الجالية المغربية.. متغير جديد

يمكن أن تلعب الجالية المغربية في إسبانيا دوراً متزايداً في هذه المعادلة، خصوصاً إذا أصبحت قضايا الهجرة والعلاقات مع المغرب أكثر حضوراً في المنافسة الانتخابية.

وقد تتحول الجالية إلى موضوع للاستقطاب السياسي بين الأحزاب، خصوصاً في حال صعود الخطاب اليميني المتشدد.

لكنها تستطيع أيضاً أن تكون جسراً بين المجتمعين، إذا جرى التعامل معها باعتبارها مكوناً من مكونات المجتمع الإسباني، وليس مجرد ورقة في الصراع السياسي.

لاعب ثالث في العلاقة

الخلاصة الأساسية التي يفتحها تحليل الشاوي هي أن العلاقة المغربية الإسبانية لم تعد ثنائية بالمعنى التقليدي.

فإلى جانب الرباط ومدريد، ظهر فاعل ثالث أكثر حضوراً: الرأي العام الرقمي.

هذا الفاعل لا يملك سفارات ولا وزارات، لكنه يستطيع صناعة الضغط وتوجيه النقاش ونشر الصور وتوسيع دائرة الجدل في وقت قياسي.

وهذا يعني أن الأزمات المقبلة قد لا تبدأ من قاعات الحكومات، وقد لا تنتهي بالضرورة على طاولة المفاوضات الدبلوماسية.

سبتة.. إنذار للمستقبل

أزمة سبتة كشفت أن العلاقات المغربية الإسبانية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل فيها ملفات السيادة والهجرة والسياسة الداخلية والإعلام والمجتمع المدني والمنصات الرقمية.

والتحدي الحقيقي أمام الرباط ومدريد لن يكون فقط في احتواء الأزمات، بل في معالجة الملفات التي تجعلها قابلة للتكرار.

فطالما بقيت القضايا التاريخية والسياسية الكبرى معلقة، ستظل الحدود قابلة للاشتعال، وستظل كل أزمة صغيرة قادرة على التحول إلى مواجهة أكبر.

أما الجديد فهو أن الحكومات لم تعد وحدها قادرة على التحكم في مسار هذه المواجهات.

لقد أصبح هناك لاعب آخر في الساحة: مجتمع رقمي سريع، عابر للحدود، وقادر على تحويل الحدث المحلي إلى قضية سياسية دولية.

المصدر: عبد القادر الشاوي، مقال رأي منشور في صحيفة «العربي الجديد» حول تداعيات الهجرة الجماعية إلى سبتة وتحولات العلاقة المغربية الإسبانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى