الرئسيةرأي/ كرونيك

أحزاب اليسار وأحزاب المخزن: هل يعيد المغرب تجربة التناوب التوافقي؟

من التناوب الأول إلى التناوب الثاني..

في نهاية المقال السابق طرحنا سؤالا يبدو، للوهلة الأولى، موجها إلى اليسار: من يستطيع تحويل ما يكشفه الشارع من مطالب واختلالات إلى برنامج سياسي وسياسات عمومية؟

بقلم الصحافية هدى سحلي

لكن ربما يكون السؤال في حاجة إلى أن يُعاد طرحه من زاوية أوسع. فإذا كان الاحتجاج قد أصبح، في أكثر من محطة، إحدى القنوات التي يعبر من خلالها المجتمع عن اختلالات لم تستطع المؤسسات التمثيلية استيعابها، وإذا كانت الأحزاب التي تولت تدبير الحكومات المتعاقبة، قد أفقدت الشارع الثقة فيها بعدما تورطت في الفساد وتضارب المصالح وفي أحسن الأحوال لم تشرع سياسات للصالح العام، فإن البحث عن الحل لا يمكن أن يظل محصورا في سؤال: ماذا ينبغي أن يفعل اليسار؟

اقرأ أيضا…

أفق ملكي وتنفيذ حكومي: سؤال المسؤولية السياسية

هل يحتاج النظام السياسي لإعادة ترتيب علاقته بالقوى السياسية

السؤال الأعمق هو: هل يحتاج النظام السياسي المغربي نفسه إلى إعادة ترتيب علاقته بالقوى السياسية والاجتماعية القادرة على استعادة ثقة الشارع؟

ومن هذه الزاوية، تبدو مقارنة مع نهاية تسعينيات القرن الماضي جديرة بالتأمل.

اذا كانت سنوات الجمر والرصاص، أدت بالملك الراحل الحسن الثاني كي يفرض الأحزاب التقليدية (الكثلة) بما سمي آنذاك (التناوب التوافقي) ليضمن المرور السلس لحكم ولي عهده، بعدما كانت قد هيمنت أحزابه الإدارية (الوفاق) على الحكومات طيلة 38 سنة من حكمه.

فإن الوضع اليوم يكاد يشبه الأمس الذي فضل فيه الملك تصدر اليسار متجسد في حزب الاتحاد الاشتراكي المشهد السياسي ليعيد الثقة في المؤسسات، فإن إبعاد الملك محمد السادس بمجرد توليه الحكم لأحد أبرز رموز اليسار السي عبد الرحمان اليوسفي الذي كان حزبه قد تبوأ الصدارة في الانتخابات التشريعية لسنة 2002، إلاّ أنه قَبِلَ بخروج الملك الشاب أنذاك عن “المنهجية الديمقراطية” وظل الحزب مشاركا في حكومة يترأسها تكنوقراطي بدون صبغة حزبية.

فقدان الثقة في أحزاب لا تتناوب فقط الا على المناصب الحكومية

اليوم وبعد 27 سنة من الحكم الملك نجد أن تلك الأحزاب كتلة ووفاق قد انصهرت مع بعضها وقبلت تأتيثها للحكومات المتعاقبة، ونعتت المحتجين بالإنفصاليين، وسكتت عن فتح السجون من جديد في وجه كل من يطالب بالتغيير، واعتقلت شباب تقل أعمارهم عن 20 سنة، وأنزلت على آخرين عقوبات لا تقل عن 20 سنة من السجن النافذ!!؟

في ظل هذا الوضع الذي أدى إلى فقدان الثقة في الأحزاب التي تتناوب فقط على المناصب الحكومية، في غياب المؤهلات السياسية للتأطير والإقناع، وفي غياب الالتزام بالنضال، وفي غياب النزاهة والكفاءة، كل هذا مع ابعاد ممنهج للاحزاب اليسارية الراديكالية باستمالة الناخبين بالمال الحرام باعتراف الأحزاب نفسها، وتحذيرات الملك للناخبين في خطاب رسمي مما يستدعي تناوبا توافقيا جديدا.

يبدأ بإفراغ السجون من معتقلي الاحتجاجات وينتهي بتناوب توافقي جديد يمكّن هذا اليسار المبعد من تسيير الحكومة أو المشاركة فيها، لتدبير الملفات المطلبية التي ظلت مفتوحة على شكل احتجاجات تتعاقب مع تعاقب الحكومات، إلى غاية أن تم تدويلها بذلك الهروب الكبير لعشرات الآلاف من المواطنين المهمشين والفاقدين للثقة في الدول والأحزاب معا.

التناوب التوافقي كان محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والقوى السياسية

وهنا تحديدا تكمن أهمية التجربة بالنسبة إلى حاضر المغرب. فالتناوب التوافقي لم يكن، في جوهره، مجرد تغيير في هوية الوزير الأول، لقد كان محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، عبر نقل قوى كانت لسنوات في موقع المعارضة إلى موقع المسؤولية، ومنحها فرصة الانتقال من الاحتجاج على السياسات إلى تحمل مسؤولية صياغتها وتنفيذها.

وبعبارة أخرى، كان الهدف يتجاوز تغيير الحكومة إلى إعادة بناء الوساطة والثقة السياسية.

وإن كان الملك محمد السادس قد تراجع عن هذا الاختيار بالخروج عن “المنهجية الديمقراطية” بإبعاد الوزير لأول عبد الرحمان اليوسفي وقبول الاحزاب الإدارية التحالف مع بعض الاحزاب التقليدية كالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية اللذان قبلا التنازل عن مرجعياتهما الاشتراكية والشيوعية ليترأسها مرة وزير القصر ادريس جطو، ومرة حزب إسلامي، ثم مرة أخرى حزب الباطرونا، مما جر على الجميع احتجاجات واجهت كل الحكومات التي عينها الملك، بعدما عاتت فسادا بالطول والعرض، فيما كانت المقاربة الأمنية هي الرد، والسجون هي المآل.

فالسؤال الذي يمكن أن يطرح اليوم، ولكن في سياق مختلف تماما: هل وصل المغرب إلى مرحلة يصبح معها من الضروري التفكير في إعادة بناء الثقة من جديد؟

يصعب، طبعا، مقارنة مغرب 2026 بمغرب 1998، فالدولة اليوم ليست في الوضع الاقتصادي نفسه الذي كانت عليه آنذاك، لكن تتوافر بعض عناصر المأزق المتشابهة: دولة تريد الحفاظ على الاستقرار والاستمرار، أحزاب فقدت قدرتها على الإقناع والوساطة، وحاجة متزايدة إلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين.

المطلب يظهر في المجتمع يتسع في الشارع ثم تتحرك الدولة للتفاعل معه

مجتمع تتراكم داخله مطالب اجتماعية وسياسية: من 20 فبراير إلى حراك الريف، ومن الاحتجاجات الفئوية والمجالية إلى الاحتجاجات الشبابية الجديدة، يتكرر نمط سياسي واحد: المطلب يظهر في المجتمع، يتسع في الشارع، ثم تتحرك الدولة للتفاعل معه، بينما تظل الأحزاب الحكومية غائبة أو متأخرة عن المشهد.

من هنا يمكن فهم لماذا يستحق اليسار المُبعد اهتماما خاصا. ليس لأن اليسار كما قلنا في المقال السابق، يمتلك وصفة جاهزة لحل الأزمة، وإنما لأن هناك تقاطعا تاريخيا بين اليسار وبين القضايا التي تعود اليوم إلى واجهة النقاش: الدولة الاجتماعية، العدالة المجالية، الحقوق الاجتماعية، الشغل، توزيع الثروة، الخدمات العمومية، الحريات، والعدالة السياسية.

لكن هذا اليسار اليوم يوجد أمام مفارقة، فهو أقرب سياسيا إلى كثير من المطالب التي يعبر عنها الشارع، لكنه أضعف انتخابيا وتنظيميا كما كان عليه اليسار الذي دخل تجربة التناوب سنة 1998، كما أن النظام السياسي والانتخابي يجعله أبعد من أن يحوّل ارتباطه بالشارع إلى مستوى التمثيل السياسي.

وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل يستطيع اليسار وحده أن ينقذ الوضع؟ ربما السؤال الأدق هو: هل يمكن للنظام السياسي أن يستفيد من وجود قوة سياسية ذات خطاب مختلف، وأن يمنحها فرصة الانتقال من موقع المعارضة والاحتجاج إلى موقع المسؤولية؟

الدفع نحو تسوية سياسية جديدة تعيد الاعتبار للتنافس السياسي الحقيقي

وهنا يظهر الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسة الملكية. ليس بمعنى أن تختار الملكية اليسار بدلا من الناخبين، وإنما بمعنى أن تدفع نحو تسوية سياسية جديدة تعيد الاعتبار للتنافس السياسي الحقيقي.

فالملك، في النظام المغربي، ليس مجرد طرف في التوازن الحكومي، إنه الفاعل القادر على إطلاق التحولات الكبرى،

كما أظهر ذلك تاريخيا في تجربة التناوب الأول، والأقدر على تدبير الانتقالات السياسية كما فعل خلال الربيع العربي. فإذا كان الحسن الثاني قد لجأ إلى التناوب التوافقي في نهاية التسعينيات لتجاوز أزمة سياسية واقتصادية بلغت مستوى من الحدة جعل استمرار الوضع القائم مكلفا، فإن السياق اليوم مختلف من حيث طبيعة الأزمة ولا من حيث الحاجة إلى إعادة ترتيب المجال السياسي.

اقرأ أيضا…

الانتخابات: برنامج الملك وبرنامج الشارع، مأزق التمثيل السياسي

فالمغرب لا يعيش اليوم أزمة مالية كتلك التي عرفها في التسعينيات، بل إن المؤشرات الاقتصادية وحجم الميزانيات المرصودة للأوراش العمومية تعكس قدرة مالية واستثمارية أكبر. لكن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة تحسن العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل قد يخفي أزمة أخرى أكثر عمقا: أزمة الثقة. ولعل فضيحة الهروب الكبير نحو سبتة وموت أكثر من 150 مواطن مغربي..ما يطرح السؤال التالي: ماذا على الملك وحكوماته التي يختارها بنفسه ليقلّدها الحقائب الوزارية أن يفعلوا لترغيب الشباب في العيش داخل البلاد ولا يفكر في الهروب مرة أخرى منه؟

هل سيقبل الإسبان والبرتغاليين تنظيم كأس العالم مع المغرب دون أن يتحققوا من أن المغرب بدأ إصلاحات عميقة تستهدف هذه الفئة الهشة من المواطنين العازمين على الهجرة التي قد تشعل الحرب بين البلدين الجارين؟

هل يمكن لمحمد السادس أن يفتح بابا جديدا أمام المعارضة

هل مشكل الهجرة قد قد يراجع معه الاتحاد الأوروبي اتفاقية (التعاون المغربي-الأوروبي) و”الوضع المتقدم”، ويحرمه من الدعم والتفضيل؟. وإذا كان الحسن الثاني رحمه الله قد اختار في نهاية حكمه أن يفتح باب الحكومة أمام المعارضة التاريخية، فإن السؤال اليوم هو: هل يمكن لمحمد السادس أن يفتح بابا جديدا أمام المعارضة التي بقيت خارج التجربة الحكومية، وأن يجعل من المصالحة السياسية مع هذه القوى جزءا من معالجة أزمة الثقة والوساطة السياسية؟

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى