
هل يمتص «الاستقلال» غضب الشارع باعترافات متأخرة؟»
حين يخرج وزير من قلب الأغلبية الحكومية ليعد الناخبين بإصلاح ما لم يُحسم خلال الولاية نفسها، يصبح البرنامج الانتخابي أكثر من مجرد قائمة وعود؛ بل يتحول إلى سؤال عن الحصيلة والمسؤولية، وهذا تحديداً ما كشفه لقاء رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، بالدار البيضاء، حيث وضع الحزب تضارب المصالح والقدرة الشرائية وضبط الأسواق وتعزيز الثقة في الاقتصاد ضمن عناوين عرضه الانتخابي.
إصلاحات مؤجلة.. من داخل الحكومة إلى برنامج الانتخابات
أقر مزور بأن «الاستقلال» يتحمل مسؤوليته عن حصيلة مشاركته في التدبير الحكومي، بما لها من نتائج وما شابها من تدابير لم تُدبّر بالشكل المطلوب، وفق تعبيره، والأكثر دلالة كان حديثه عن قانون تضارب المصالح: فالحزب، بحسب روايته، حاول وضع إطار قانوني للملف خلال الولاية الحالية، لكنه لم يتمكن من إقناع شركائه في الحكومة، ولذلك يَعِد بتنزيله في حال قيادته للحكومة المقبلة.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز مجرد تأخر التشريع: كيف تُصاغ قواعد صارمة لتضارب المصالح في سياق سياسي تتقاطع فيه المسؤولية العمومية مع المصالح الاقتصادية الخاصة؟ فرئيس الحكومة نفسه، عزيز أخنوش، رجل أعمال، وهو ما يجعل مسألة الفصل بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة جزءاً أساسياً من النقاش حول تضارب المصالح، لا مجرد تفصيل قانوني.. وإذا كان السياسي مطالباً بوضع قواعد قد تقيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح مرتبطة بعالم الأعمال، فإن السؤال المؤسسي يصبح أكثر حساسية: من يضع القواعد؟ وكيف تضمن استقلاليتها؟ ومن يراقب تطبيقها؟
لذلك، لا يتعلق الأمر بإدانة مسبقة، بل بسؤال المساءلة: ما الذي منع الإصلاح داخل الأغلبية؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثره؟ وما الضمانات التي ستجعل الوعد المقبل مختلفاً عن التعهد السابق؟
نمو يرتفع.. والضغط الاجتماعي لا يختفي
تضيف الأرقام الرسمية طبقة أخرى إلى النقاش، فقد بلغ النمو الاقتصادي الوطني 4.9% سنة 2025 مقابل 4.4% سنة 2024، وفق المندوبية السامية للتخطيط، لكن تحسن المؤشر الكلي لم ينهِ اختلالات سوق الشغل؛ فقد بلغ عدد العاطلين 1.621 مليون شخص، واستقر معدل البطالة عند 13%، فيما قفز إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة، والأكثر دلالة أن حجم الشغل الناقص ارتفع إلى 1.19 مليون شخص**طط، بمعدل 10.9%.
وهنا تصطدم لغة «الثقة في الاقتصاد» بسؤال اجتماعي أكثر إلحاحاً: ماذا يصل من النمو إلى سوق الشغل والدخل والقدرة على مواجهة تكاليف الحياة؟
القدرة الشرائية.. حين تعود الدولة إلى السوق
وفي مواجهة الغلاء، يقترح حزب الاستقلال إحداث شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، بما يسمح بتقليص حلقات الوساطة واختلالات سلاسل التوزيع، إلى جانب آليات دعم مشروط وتدخل أكبر للدولة لحماية القدرة الشرائية.
ويعيد هذا المقترح طرح سؤال جوهري حول دور الدولة: هل يكفي أن تراقب السوق، أم ينبغي أن تمتلك أدوات فعلية للتدخل عندما تصبح اختلالات التوزيع والوساطة عاملاً مؤثراً في السعر النهائي؟ هنا لا تكفي الوعود؛ فالمطلوب هو تحديد الآليات والكلفة والنتائج القابلة للقياس.
وفي النهاية، يضع «الاستقلال» نفسه أمام معادلة دقيقة: حصيلة حكومية يتحمل مسؤوليتها، وملفات يعترف بأنها لم تُحسم، وبرنامج انتخابي يعد بمعالجتها.. وبين الاعتراف والوعد، يظل السؤال الانتخابي أقل ارتباطاً بوعد جديد من ارتباطه بمصير الوعد السابق: لماذا تأخر؟ ومن سيتحمل كلفة هذا التأخر؟





