
لم يعد عمر بلافريج إلى السياسة من بوابة البرلمان، ولا عبر استعادة موقع تنظيمي داخل اليسار، وإنما اختار العودة من مكان أكثر دلالة: دعم جيل جديد من الشباب الذين يخوضون الانتخابات باسم «تحالف اليسار».
بعد سنوات من الابتعاد عن المؤسسات والأحزاب، ظهر البرلماني السابق في دائرة تيفلت-الخميسات مسانداً للائحة شبابية يخوض أصحابها الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري. عودة لا تبدو، في شكلها الحالي، محاولة لاستعادة موقع سياسي بقدر ما تبدو اختباراً لإمكانية أن يحمل جيل جديد الأسئلة التي عجز اليسار عن حسمها خلال السنوات الماضية.
العودة من بوابة الشباب
يقود لائحة «تحالف اليسار» بدائرة تيفلت-الخميسات حمزة بولحديد، البالغ من العمر 28 سنة، وهو باحث في علم الأعصاب الإدراكي وصحة الساكنة، ومنسق مشاريع ومسؤول تواصل بمؤسسة دولية.
وتحتل خولة المجدوب، البالغة من العمر 25 سنة، المرتبة الثانية، وهي باحثة في هندسة المياه والبيئة وطالبة بسلك الدكتوراه وفاعلة في القضايا البيئية، فيما يأتي عز العرب حلمي، البالغ من العمر 32 سنة، في المرتبة الثالثة، وهو باحث في العلوم السياسية ومنسق مشاريع في منظمة وطنية ومستشار جماعي.
إنها لائحة تنتمي، على مستوى العمر والخلفيات، إلى جيل مختلف عن ذلك الذي كان يشكل الواجهة التقليدية لليسار المغربي. وجوه شابة قادمة من البحث العلمي والمجتمع المدني والعمل الميداني، تدخل الانتخابات في محاولة لتحويل المعرفة والتخصص والانشغال بالشأن العام إلى حضور سياسي ومؤسساتي.
وفي هذا السياق تحديداً تكتسب مشاركة بلافريج معناها السياسي.
خمس سنوات خارج السياسة
كان بلافريج قد اختار، في أبريل 2021، مغادرة موقعه التنظيمي القيادي واعتزال العمل السياسي، بعد تجربة امتدت من 2016 إلى 2021، انتُخب خلالها نائبا عن دائرة الرباط باسم فيدرالية اليسار الديمقراطي، وتولى رئاسة لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب.
لكن الرجل لم يغادر المؤسسات فقط؛ فقد ابتعد كذلك عن الحياة الحزبية والتنظيمية، في قرار ارتبط، وفق ما عبر عنه آنذاك، بجملة من الأسباب السياسية والفكرية.
في مقدمتها التصدع الذي عرفه الاشتراكي الموحد ومكونات اليسار، والخلافات حول مشروع بناء فيدرالية لليسار، وما اعتبره بلافريج فشلا في بناء حزب يساري ديمقراطي قوي.
كما تحدث عن «الجو السياسي القاتم»، وعن وضع الحريات واستمرار اعتقال قادة حراك الريف وباقي المعتقلين، وهي قضايا كانت حاضرة بقوة في تفسيره لقرار الانسحاب.
اليسار الذي لم يكتمل
ربما هنا تكمن المفارقة الأهم في عودة بلافريج.
فالرجل الذي انسحب من السياسة احتجاجاً على أزمة المشروع اليساري، يعود اليوم ليس لاستعادة ذلك الموقع، وإنما لمساندة جيل شاب يحاول خوض التجربة نفسها من جديد، في سياق سياسي مختلف وأسئلة مختلفة.
فاليسار المغربي لم يعان فقط من ضيق المساحة الانتخابية؛ بل واجه خلال السنوات الماضية أزمة أعمق تتعلق بالتنظيم، وبناء القوة السياسية، والقدرة على تحويل المرجعيات التاريخية إلى مشروع قادر على مخاطبة أجيال جديدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح عودة بلافريج أقل ارتباطاً بشخصه وأكثر ارتباطاً بالسؤال الذي يطرحه ظهوره مجدداً: هل يستطيع جيل جديد أن يعيد إلى السياسة ما فقدته التنظيمات اليسارية من ثقة وحيوية؟
من البرلمان إلى «جيل زد»
لم تكن عودة بلافريج إلى النقاش العمومي وليدة الحملة الانتخابية الحالية.
ففي أكتوبر 2025، ظهر في بودكاست مع «جيل زد» عبر منصة ديسكورد، حيث تحدث عن الشباب وإمكانيتهم في إحداث التغيير، في لحظة كانت الأجيال الجديدة قد بدأت تفرض نفسها بقوة أكبر على النقاش العمومي.
وهنا أيضاً تظهر مفارقة أخرى: بلافريج الذي غادر السياسة الرسمية في وقت كانت فيه الأحزاب والتنظيمات هي البوابة الرئيسية للمشاركة السياسية، وجد نفسه يتفاعل لاحقاً مع جيل يتعامل مع السياسة خارج القنوات التقليدية، وبأدوات ومنصات مختلفة.
ومن ثم، فإن دعمه اليوم لمرشحين شباب يمكن قراءته باعتباره امتداداً لهذا الاهتمام، وليس بالضرورة إعلاناً عن عودة كاملة إلى العمل الحزبي.
السياسة قبل الموقع
ينتمي بلافريج فكريا إلى ما يعرف بـ«البوعبيدية»، نسبة إلى الزعيم الاتحادي الراحل عبد الرحيم بوعبيد، بما تحمله هذه المرجعية من تصور للسياسة باعتبارها قبل كل شيء التزاما بالمبادئ والأخلاق والمسؤولية العامة.
وهذا البعد مهم لفهم مساره السياسي؛ فاستقالته من السياسة لم تكن، كما قدمها هو، مجرد انسحاب شخصي من أي عمل سياسي أو تنظيمي، وإنما ارتبطت بخلاف أعمق مع واقع سياسي وتنظيمي لم يعد يرى فيه إمكانية لبناء المشروع الذي كان يطمح إليه.
لذلك، فإن ظهوره اليوم إلى جانب شباب «تحالف اليسار» لا يعيد فقط اسمه إلى التداول السياسي، بل يعيد أيضا إلى النقاش سؤالا قديما ومتجددا: هل يمكن أن تستعيد السياسة معناها حين يصبح المبدأ سابقا على الموقع، والمشروع سابقا على الحساب الانتخابي رغم أهميته؟ وهل يمكن تصور يسار بدون شابات وشبان رافعة لنهوضه وثورته على نفسه، وبناياته القديمة.
جيل جديد.. وأسئلة قديمة
لا يعرف بعد ما إذا كانت مشاركة بلافريج الحالية ستتطور إلى عودة فعلية إلى العمل السياسي والتنظيمي. ولا توجد، في هذه المشاركة وحدها، مؤشرات كافية للقول إنه بصدد استعادة مساره الحزبي.
لكن المؤكد أن الرجل اختار، بعد سنوات من الغياب، أن يظهر إلى جانب أسماء تنتمي إلى جيل لم يكن في واجهة السياسة عندما كان هو داخل البرلمان.
وهذه هي النقطة الأكثر إثارة في هذه العودة.
فبدلاً من أن يعود السياسي السابق لاستعادة مكانه، يعود ليقف خلف جيل جديد. وبدلا من أن يكون هو المرشح، يصبح جزءا من محاولة دفع آخرين إلى الواجهة.
وبين انسحاب الأمس وعودة اليوم، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا الجيل قادرا على تجاوز الأزمات التي أنهكت اليسار المغربي: أزمة التنظيم، وأزمة المشروع، وأزمة العلاقة مع المجتمع، وأخيرا أزمة القدرة على تحويل القيم التي يدافع عنها إلى قوة سياسية حقيقية.
من هذه الزاوية، قد لا تكون عودة عمر بلافريج هي القصة كلها، بل ربما تكون القصة الأهم هي الشباب الذين اختار أن يعود من أجلهم.





