الرئسيةسياسة

مليارات التنمية القروية.. من وقّع ومن يحاسب؟

صراع الصلاحيات على 55 ملياراً.. حين يصبح التوقيع أهم من القرية

في المغرب، يبدو أن المال العام يستطيع أن يعيش أكثر من حياة واحدة: مرة داخل قانون المالية، ومرة داخل خلاف بين الوزراء، ومرة ثالثة داخل ذاكرة السياسيين بعد سنوات، أما القرى التي خُصصت لها المليارات، فقصتها أقل حظاً في الذاكرة وحتى في الحصيلة.

فبعد أكثر من عقد، عاد محمد بوسعيد ليفتح صندوق التنمية القروية من جديد، مستعيداً واحدة من أكثر حلقات حكومة عبد الإله ابن كيران إثارة للجدل: هل كان عبد الإله ابن كيران يعلم أن صلاحية الأمر بالصرف ستنتقل إلى عزيز أخنوش، أم أن رئيس الحكومة فوجئ بسحب صلاحية التوقيع منه؟

بين رواية ابن كيران ورواية محمد بوسعيد، لا يتعلق الأمر بتوقيع على ورقة فقط؛ بل بمن كان يملك القرار في تدبير برنامج رُصد له غلاف يفوق 55 مليار درهم

بوسعيد: الصندوق لم يُؤخذ من أحد

خلال لقاء حزبي بجماعة بني خالد بوجدة أنجاد، لم يكتف بوسعيد بنفي رواية «أخذ الصندوق» من ابن كيران، بل أعاد بناء القصة من داخل مطبخ قانون المالية.

يقول وزير المالية الأسبق إنه أخبر ابن كيران، أثناء إعداد مشروع قانون المالية، بأن الصندوق سيدبر من طرف وزير الفلاحة والتنمية القروية، وأن أخنوش سيكون الآمر بالصرف، مضيفاً أن شاهداً كان حاضراً في ذلك النقاش ويمكنه الإدلاء بشهادته إذا جرى إنكار الواقعة.

وبالنسبة إلى بوسعيد، لا تنتهي الحكاية عند جلسة حديث بين رجلين، فمشروع قانون المالية مر عبر المجلس الحكومي ثم البرلمان، والمادة 30 من قانون مالية 2016 أسندت بالفعل إلى وزير الفلاحة صفة الآمر بصرف موارد ونفقات الصندوق.

ابن كيران يقول شيئاً آخر

لكن السياسة لا تحب الروايات ذات النسخة الواحدة، فقد سبق لابن كيران أن قدم رواية مغايرة، مفادها أن صلاحية التوقيع على برنامج التنمية القروية انتقلت إلى أخنوش دون أن يكون على علم بذلك بالشكل الذي يبرر ما حدث.

وهكذا تحولت أزيد من 54 إلى مسرح صغير لصراع أكبر: ليس فقط من يوقّع، بل كيف تُوزع الصلاحيات داخل حكومة يفترض أن يعرف كل وزير فيها أين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي مسؤولية الآخر؟

واللافت أن الصندوق كان يفترض أن يفعل شيئاً محددا: أن يجعل الطريق والمدرسة والمستوصف والماء يصلون إلى القرية كمنظومة واحدة، بدل أن تصل التنمية إليها قطعة قطعة.

هنا تنتهي معركة القلم وتبدأ معركة الأثر

فالمفارقة القاسية تبدأ عندما نغادر المادة 30 ونذهب إلى القرية نفسها، حيث تحدثت الحكومة عن استثمارات عمومية تقارب 50 مليار درهم ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية،غير ان المندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن نسبة الفقر المؤشري بالوسط القروي ظلت مرتفعة مقارنة بالمؤشرات  الحضرية، حيث بلغ معدل الفقر المتعدد الأبعاد في العالم القروي حوالي 13.1% مقارنة بـ 3% فقط في المدن، علاوة على ذلك، أشار التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات في أكثر من مناسبة إلى تعثر مشاريع الفلاحة، وتأخر الربط بالشبكات الأساسية، مع وجود اختلالات في توزيع الاعتمادات الاستثمارية.

أي أن المليارات تحركت، والبرامج اشتغلت، لكن القرية لم تحصل بعد على تذكرة الخروج الكامل من الهشاشة.

السياسيون يتذكرون التوقيع.. والقرية تتذكر النتيجة

وهنا تصبح قصة الصندوق أكثر إزعاجاً من مجرد خلاف قديم بين ابن كيران وبوسعيد وأخنوش.

السياسيون يتذكرون جيداً من كان الآمر بالصرف، ومن أخبر من، ومن حضر الاجتماع، ومن كان يستطيع الاعتراض.. أما المواطن القروي فلا يعيش داخل المادة 30، ولا يهمه كثيراً صاحب القلم الذي وقع.

ما يهمه أن تصل الطريق، وأن تكون المدرسة مدرسة، وأن يكون المستوصف قريباً، وأن تتحول المليارات من أرقام في قوانين المالية إلى أثر يمكن لمسه.

في النهاية، قد تكون معركة «من يملك التوقيع؟» وجدت جوابها القانوني والسياسي، لكن السؤال الذي بقي معلقاً في القرية أكثر قسوة: إذا كان الجميع يتذكر جيداً من وقّع.. فمن سيحاسَب على ما لم يصل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى