الرئسيةسياسة

النساء في مرمى العنف الانتخابي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول حضور النساء في المشهد السياسي، في ظل استمرار ممارسات تستهدف عددا من المرشحات عبر التنمر والتشهير والتعليقات المسيئة، فضلا عن التشكيك في كفاءتهن وقدراتهن على تحمل المسؤولية السياسية.

وفي هذا السياق، أوضحت بشرى عبده أن التنمر الذي تتعرض له النساء المرشحات لا يقف عند حدود النقد السياسي أو تقييم البرامج الانتخابية، بل يمتد في حالات عدة إلى المساس بأعراضهن وحياتهن الشخصية، فضلاً عن الانتقاص من عطائهن وقدراتهن وكفاءاتهن المهنية والسياسية.

حين تصبح الحياة الخاصة أداة للهجوم

وأبرزت المتحدثة ذاتها أن استهداف المرشحات من خلال حياتهن الخاصة وشكلهن أو علاقاتهن الاجتماعية، بدل مناقشة برامجهن ومواقفهن السياسية، يعكس استمرار عقليات تنظر إلى ولوج النساء إلى مواقع القرار باعتباره أمراً قابلاً للتشكيك والمقاومة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تنتقل من النقاش السياسي المشروع إلى حملات تشهير وتنمر عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للتعليقات المسيئة والمعلومات المتداولة خارج سياقها أن تنتشر بسرعة، وتؤثر في صورة المرشحة أمام الرأي العام.

بشرى عبده تتضامن مع نبيلة منيب

وفي السياق ذاته، أعلنت بشرى عبده تضامنها مع المناضلة السياسية نبيلة منيب، على خلفية ما وصفته بحملة من التنمر الرقمي والعنف السياسي الذي تتعرض له، مؤكدة أن الاختلاف السياسي يظل حقاً مكفولاً، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للنيل من كرامة النساء الفاعلات في الفضاء العام أو التشهير بهن.

وأكدت عبده تضامنها مع منيب في مواجهة هذه الممارسات، معتبرة أن النقاش السياسي ينبغي أن يظل محكوماً باحترام الأشخاص وحقهم في التعبير والمشاركة، بعيداً عن الاستهداف الشخصي والحملات التي تمس الحياة الخاصة.

كما وجهت تحية إلى جميع المرشحات، بمختلف انتماءاتهن الحزبية والسياسية، اللواتي يخضن غمار الانتخابات التشريعية، معتبرة أن مجرد خوضهن لهذه التجربة السياسية يمثل حضوراً للنساء في فضاء القرار والمنافسة الانتخابية.

ودعت، في المقابل، إلى العمل من أجل فضاء رقمي أكثر أمناً ومسؤولية، يسمح بالنقاش والاختلاف وتبادل المواقف دون أن يتحول إلى منصة للتشهير أو الإهانة أو العنف ضد النساء.

الكفاءة بدل الحياة الشخصية

ويطرح هذا الواقع سؤالاً أساسياً حول طبيعة النقاش الانتخابي، وما إذا كان تقييم المرشحين والمرشحات ينبغي أن ينطلق من برامجهم وكفاءاتهم ومواقفهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية، أم من معطيات شخصية لا علاقة لها بأدائهم السياسي.

فالنقد السياسي يظل جزءاً طبيعياً من أي منافسة انتخابية، لكن تحويل الحياة الخاصة للمرشحات إلى مادة للهجوم والتشهير يتجاوز حدود النقاش المشروع، ويضع النساء أمام كلفة إضافية لمجرد خوضهن غمار العمل السياسي.

وترى عبده أن هذه الممارسات تعكس رغبة واضحة لدى العقلية الذكورية السائدة في إقصاء النساء ودفعهن إلى التراجع عن الترشيح، وبالتالي الحد من وصولهن إلى مواقع القرار السياسي.

مشاركة النساء بين النصوص والواقع

ورغم التطور الذي عرفه حضور النساء في الحياة السياسية والمؤسسات المنتخبة، فإن المشاركة الفعلية للنساء لا تزال تواجه مجموعة من العراقيل، من بينها الصور النمطية والتمييز والعنف الرقمي والهجمات التي تستهدف الحياة الخاصة.

ويجعل ذلك من حماية النساء المرشحات من حملات التشهير والتنمر مسؤولية تتقاطع فيها أدوار الأحزاب السياسية والسلطات والمجتمع المدني، إلى جانب ضرورة ترسيخ نقاش انتخابي يقوم على البرامج والكفاءة والمساءلة.

فالمنافسة السياسية تظل مشروعة ما دامت تقوم على نقد الأفكار والبرامج والمواقف، لكن تحويل الحياة الشخصية للمرشحات إلى مادة للهجوم لا يخدم النقاش الديمقراطي، بقدر ما يعيد إنتاج الحواجز التي تحد من مشاركة النساء في صناعة القرار.

مسؤولية الأحزاب والسلطات

وفي هذا السياق، لا يمكن تحميل النساء المرشحات وحدهن كلفة مواجهة التنمر والتشهير، بل تتحمل الأحزاب السياسية والسلطات المعنية مسؤولية واضحة في توفير بيئة انتخابية تحترم كرامة المرشحات وتصون حقهن في خوض المنافسة السياسية دون ترهيب أو استهداف شخصي.

فالأحزاب مطالبة بالتعامل بجدية مع مظاهر الإساءة التي تطال مرشحاتها، وألا تكتفي بالدفاع عنهن في البيانات والتصريحات، بل أن تضع آليات واضحة للرصد والتبليغ والمواكبة، وأن ترفض داخل صفوفها كل خطاب يقوم على الانتقاص من النساء أو التشكيك في أهليتهن بسبب جنسهن.

أما السلطات المختصة، فتظل مطالبة بتطبيق القانون على كل حالة تتجاوز حدود النقد السياسي إلى التشهير أو القذف أو التهديد، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحمي العملية الانتخابية من ممارسات قد تدفع بالكفاءات النسائية إلى الانسحاب من المجال العام.

حين يصبح التنمر عائقاً أمام الديمقراطية

وفي النهاية، فإن مواجهة التنمر الذي يستهدف النساء المرشحات ليست مجرد دفاع عن أشخاص يخوضون غمار المنافسة الانتخابية، بل هي دفاع عن حق النساء في المشاركة السياسية دون أن تتحول حياتهن الخاصة وأعراضهن إلى ثمن يدفعنه مقابل ممارسة حقهن في الترشح.

فالاختلاف السياسي لا يبرر التشهير، والنقد لا يحتاج إلى التجريح، والمنافسة الانتخابية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للأخلاق والحياة الشخصية للنساء. وعندما تُدفع امرأة إلى الصمت أو الانسحاب بسبب حملات التنمر والتشهير، فإن الخاسر في النهاية ليس المرشحة وحدها، وإنما النقاش الديمقراطي نفسه.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الأحزاب والسلطات هو ضمان أن تصبح مشاركة النساء في الحياة السياسية ممارسة طبيعية، لا معركة إضافية تخوضها المرشحة ضد التنمر والإقصاء والتشهير. فحماية النساء من العنف السياسي والرقمي ليست امتيازاً يمنح لهن، وإنما مسؤولية مؤسساتية وشرط أساسي لضمان منافسة انتخابية سليمة، وتكافؤ الفرص، ومؤسسات تعكس فعلاً تنوع المجتمع وكفاءاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى