
لم يعد السؤال في واقعة مدرسة القدس بطنجة محصورا في الأوراق الانتخابية التي أثارت احتجاجا داخل مركز الاقتراع، ولا في الشخص الذي جرى توقيفه، ولا في حقيقة ما إذا كانت تلك الأوراق قد أُعدت أو استُعملت للتأثير في العملية الانتخابية.
فقد دخلت النيابة العامة على الخط وفتحت بحثا قضائيا لتحديد حقيقة ما جرى وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائجه.
وفي انتظار أن يقول التحقيق كلمته، أخذت الواقعة منحى سياسيا آخر، بعدما اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يقدمها للرأي العام من زاوية مختلفة تماما: ليس باعتبارها واقعة انتخابية تحتاج إلى كشف ملابساتها، وإنما باعتبارها، وفق روايته، استهدافا للحزب و«مؤامرة سياسية» تقف وراءها أطراف تريد التشويش عليه.
هنا يحدث ما يمكن تسميته «قلب المثلث».
فبدل أن تكون الأسئلة في اتجاه واحد: ماذا حدث؟ من كان يحمل الأوراق؟ كيف وصلت إلى مركز الاقتراع؟ وهل كانت تحمل علامات انتخابية مسبقة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت المخالفات؟ انتقلت البوصلة، في خطاب البام، إلى سؤال آخر: من يريد استهداف الحزب؟
واللافت أن تداول صور ومقاطع من الواقعة لم يكن، في حد ذاته، هو الذي أنشأ البحث القضائي؛ فالنيابة العامة أعلنت بالفعل فتح بحث للوقوف على حقيقة ما جرى. كما أن مصادر إعلامية تحدثت عن توقيف شخص داخل مدرسة القدس للاشتباه في حيازته أوراق تصويت غير قانونية، مع بقاء تفاصيل الواقعة وملابساتها رهن التحقيق.
لكن البام اختار أن يضع نفسه في قلب الرواية بوصفه الطرف المستهدف. ففي بلاغه، وصف ما جرى بأنه «حملة مغرضة ومفتعلة»، و«سيناريو محبوك»، بل و«مؤامرة سياسية»، معتبرا أن أطرافا تقف وراء ذلك بسبب ما وصفه بالحضور القوي للحزب وثقة المواطنين المتزايدة في برنامجه.
من السؤال الانتخابي إلى سؤال «من يستهدف البام؟»
المشكلة في هذه الرواية، سياسيا وإعلاميا، أنها تنقل مركز النقاش من الواقعة إلى نوايا خصوم مفترضين قبل أن يكشف التحقيق من يقف وراءها، إن كان هناك أصلا من يقف وراءها.
فإذا كان هناك من دبّر فعلا لاستهداف الحزب، فالبحث القضائي هو المكان الطبيعي لكشف ذلك وتحديد المسؤوليات. وإذا ثبت أن الأمر يتعلق بمخالفات انتخابية، فالمسؤولية أيضا ينبغي أن تحددها المؤسسات المختصة، لا البيانات الحزبية ولا مواقع التواصل الاجتماعي.
أما تحويل الواقعة منذ الساعات الأولى إلى «مؤامرة» تستهدف الحزب، فإنه يضع رواية سياسية جاهزة فوق واقعة لم تستكمل عناصرها القضائية بعد.
والأغرب أن الحزب نفسه أعلن دعمه الكامل للبحث القضائي، وأكد ثقته في مؤسسات الدولة والسلطة القضائية، في الوقت الذي قدم فيه، في البلاغ ذاته، تفسيرا سياسيا مسبقا لما حدث، باعتباره مؤامرة تقف وراءها أطراف منزعجة من حضور الحزب.
التحقيق أولا.. والاتهام لاحقا
في المقابل، جرى الاستماع إلى الصحافي عبد الرحيم بلشقار لمدة ثلاث ساعات ونصف، بحسب إفادته، كما أعلن عبد الباري بوتغراصا، عضو حزب العدالة والتنمية، الاستماع إليه على خلفية الموضوع نفسه. وهذا يعني أن الواقعة لم تعد مجرد جدل على مواقع التواصل، وإنما أصبحت موضوع إجراءات بحث فعلية.
وهنا تصبح القاعدة البسيطة أكثر أهمية من كل الخطابات: لا ينبغي أن يتحول الاشتباه إلى إدانة، كما لا ينبغي أن يتحول الاشتباه إلى مؤامرة.
فإذا أثبت التحقيق وجود تلاعب أو محاولة للتأثير في الاقتراع، يجب أن تظهر الحقيقة كاملة وتترتب المسؤوليات القانونية. وإذا أثبت خلاف ذلك، ينبغي أيضا أن تكون النتيجة واضحة للرأي العام.
أما قبل ذلك، فإن القفز من أوراق انتخابية مثيرة للجدل إلى «مؤامرة سياسية» يظل رواية حزبية تحتاج هي الأخرى إلى ما يثبتها.





