الرئسيةسياسة

المغرب داخل «أبراهام» الجديدة بهندسة أمريكية

لم يعد مشروع «اتفاقيات أبراهام» مجرد سلسلة من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية.

التطبيع

ما يجري الآن يبدو أقرب إلى محاولة للانتقال من التطبيع الثنائي إلى بناء شبكة إقليمية متعددة الأطراف، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، وتلعب فيها الولايات المتحدة دوراً مركزيا.

وهنا تحديدا تكمن دلالة الاجتماع الذي عقدته مؤسسة N7 Foundation في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة مسؤولين من الولايات المتحدة وإسرائيل والمغرب والإمارات والبحرين وكازاخستان.

فاللقاء، الذي انعقد في 24 شتنبر، كان أول اجتماع مشترك لممثلي دول اتفاقيات أبراهام منذ يناير 2023، كما شهد مشاركة كازاخستان في هذا الإطار للمرة الأولى.

لم تعد القضية: من سيطبع؟

اللافت في خطاب مؤسسة N7 أن السؤال لم يعد: من هي الدولة التالية التي ستقيم علاقات مع إسرائيل؟

المؤسسة تتحدث صراحة عن «المرحلة التالية»: تعميق العلاقات القائمة، البحث عن فرص عملية للتعاون، واستقطاب شركاء جدد.

وهذا ينسجم مع ما تعلنه المؤسسة عن مهمتها الأساسية: البناء على اتفاقيات أبراهام، وتعزيز الاندماج الإقليمي، وتقوية العلاقات مع الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، والبحث عن دول أخرى يمكن أن تدخل مسار التطبيع.

بمعنى آخر، التطبيع لم يعد هو المشروع كله؛ التطبيع أصبح مدخلا إلى مشروع أكبر.

قلب المثلث: واشنطن ـ إسرائيل ـ الإقليم

هنا ينبغي قلب زاوية النظر، فبدلا من قراءة الاجتماع باعتباره لقاء دبلوماسيا آخر حول «السلام والتعاون»، يمكن النظر إليه باعتباره جزءا من محاولة أمريكية لإعادة تركيب شبكة إقليمية جديدة.

واشنطن في أحد أضلاعها، وإسرائيل في ضلع أساسي، فيما يجري تجميع مجموعة من الدول العربية والإسلامية حول مصالح مشتركة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والماء والتكنولوجيا والأمن.

وتؤكد أجندة N7 نفسها هذا الاتجاه؛ فهي تضع ضمن مجالات عملها أمن الغذاء والماء، والطاقة والاستدامة، والتكنولوجيا والابتكار، والتجارة والاستثمار، والدفاع والأمن.

وهنا يصبح السؤال أكبر من اتفاقية تطبيع

هل نحن أمام محاولة لبناء منظومة إقليمية جديدة، تكون اتفاقيات أبراهام أحد أطرها السياسية؟

والمغرب؟ ليس على الهامش، ذلك أنه في هذه المعادلة، لا يظهر المغرب كطرف عابر، إذ المغرب كان منذ البداية أحد المكونات الأساسية لمسار اتفاقيات أبراهام، إلى جانب الإمارات والبحرين، وقد حافظ على قنوات العلاقة مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة رغم التحولات العميقة التي فرضتها الإبادة وحرب التجويع في غزة.

والآن يأتي حضوره في اجتماع نيويورك إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات والبحرين، وفي اللحظة نفسها التي تدخل فيها كازاخستان إلى المشهد، ليؤكد أن الدائرة التي يجري بناؤها لم تعد محصورة في الشرق الأوسط وحده.

بل إن مؤسسة N7 نفسها تطرح منذ فترة توسيع التعاون إلى آسيا الوسطى، وتعتبر دخول كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام بوابة محتملة لمزيد من التوسع.

من غزة إلى إعادة ترتيب المنطقة

لكن هناك مفارقة لا يمكن تجاهلها، فالاجتماع يأتي بعد مرحلة تعطلت فيها دينامية اتفاقيات أبراهام بسبب الابادة في غزة، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة تحريك المسار الإقليمي.

والأكثر دلالة أن الاجتماع عرف أيضا حضور أرييه لايتستون، المستشار الخاص لـ«مجلس السلام» المرتبط بملف السلام وإعادة إعمار غزة، ما يربط بين مسارين كانا منفصلين نسبيا: ترتيبات غزة من جهة، وإعادة بناء شبكة التعاون الإقليمي من جهة أخرى.

وهنا تظهر إحدى أهم الأسئلة السياسية في المرحلة المقبلة:

هل ستكون إعادة إعمار غزة جزءا من هندسة إقليمية جديدة، أم ستبقى ملفا منفصلا عن مشروع التطبيع؟

من اتفاقيات ثنائية إلى شبكة مصالح

المؤشرات القادمة من مؤسسة N7 تكشف أن الطموح أبعد من العلاقات الدبلوماسية، فالمؤسسة تتحدث عن مشاريع متعددة الدول في مجالات الأمن المائي والغذائي، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستثمار، والبنية التحتية، وحتى التعاون الأمني.

وفي تحليل نشرته المؤسسة، طُرح صراحة تصور لتعاون يضم الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات وكازاخستان، مع إمكانية إشراك المغرب ودول أخرى في هذه الشبكات.

وهنا يصبح «قلب المثلث» واضحا:

إسرائيل لا تسعى فقط إلى علاقات مع دول عربية وإسلامية؛ والولايات المتحدة لا تدفع فقط نحو مزيد من اتفاقيات التطبيع؛ بل يجري العمل على تحويل هذه العلاقات إلى شبكة مصالح مترابطة يصعب فصل حلقاتها عن بعضها.

السؤال الذي يخص المغرب

لهذا، فإن السؤال المغربي لم يعد فقط: هل تستمر العلاقات مع إسرائيل أم لا؟

بل أصبح أكثر تعقيداً: ما موقع المغرب داخل الشبكة الإقليمية التي يجري بناؤها؟ وما حدود هذه المشاركة؟ وما الذي يحصل عليه المغرب مقابلها؟ وما الذي يترتب عليها سياسيا واستراتيجيا؟

ثم هناك السؤال الأكثر حساسية:

هل يستطيع المغرب أن يفصل بين تطوير علاقاته الدولية ومصالحه الاستراتيجية، وبين موقفه المعلن من القضية الفلسطينية وحرب الإبادة والتجويع والسعي لتهجير الفلسطنيين  من غزة، وأيضا من الضفة الغربية والقدس المحتلة؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها بيانات الاجتماعات ولا عبارات «التعاون والازدهار».

لكنها هي التي ستحدد، في نهاية المطاف، معنى المرحلة الجديدة من اتفاقيات أبراهام.

فما يجري في نيويورك قد يكون مجرد اجتماع دبلوماسي آخر.

وقد يكون، في المقابل، علامة على انتقال المشروع من مرحلة التطبيع إلى مرحلة إعادة هندسة الإقليم،وفي هذه الحالة، فإن المغرب ليس خارج الصورة، إنه داخلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى