الرئسيةسياسة

البيجيدي رابعا.. وبنكيران يرسم الحدود

دخل حزب العدالة والتنمية مرحلة سياسية جديدة عقب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، بعدما استعاد جزءا كبيرا من حضوره البرلماني، رافعا رصيده من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا، في وقت تصدر فيه حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا.

لكن عودة الحزب إلى مجلس النواب لم تكن وحدها عنوان المرحلة الجديدة؛ إذ سارع الأمين العام عبد الإله بنكيران إلى رسم ملامح أولية لموقع حزبه في الخريطة السياسية المقبلة، معلنا أن قناعته تقضي بعدم المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، مع إبقاء الحسم الرسمي بيد المجلس الوطني الذي يعقد دورة استثنائية السبت 26 شتنبر ببوزنيقة.

وبذلك، يجد «العدالة والتنمية» نفسه أمام معادلة مختلفة عن تلك التي عاشها بعد انتخابات 2021: الحزب خرج من موقع الهزيمة الثقيلة إلى قوة برلمانية من 54 نائباً، لكنه لم يعد إلى موقع قيادة الحكومة، كما أن موقفه من الأغلبية المقبلة لم يتحول بعد إلى قرار مؤسساتي نهائي.

بنكيران يفتح باب المعارضة ويترك القرار للمجلس الوطني

في أول اجتماع للأمانة العامة للحزب بعد إعلان النتائج، قال بنكيران إن قناعته تتمثل في أنه «لا مجال» لمشاركة العدالة والتنمية في حكومة يترأسها الأصالة والمعاصرة، مع تأكيد استعداده للاستماع إلى أعضاء الحزب.

وتأتي هذه المواقف في وقت لم تتحدد فيه بعد بصورة نهائية تركيبة الأغلبية الحكومية المقبلة. فقد تصدر «البام» النتائج بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً.

وبحسب النظام المؤسساتي للحزب، يبقى المجلس الوطني الجهة المخولة للحسم في القضايا الكبرى المرتبطة بتموقع الحزب. ولهذا دعا رئيس المجلس الوطني إلى دورة استثنائية السبت 26 شتنبر، خصصت للتداول في نتائج الانتخابات وتقييم مخرجاتها السياسية والتنظيمية.

وهنا تبرز المفارقة: الموقف السياسي لبنكيران يبدو واضحاً، لكن القرار الحزبي لم يصدر بعد. وبالتالي فإن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كان الحزب سيدخل الحكومة، وإنما أيضاً ما إذا كانت عودته البرلمانية ستقوده إلى إعادة بناء موقعه في المعارضة.

من 13 إلى 54 مقعدا.. عودة مهمة وليست عودة إلى الصدارة

لا يمكن قراءة نتيجة العدالة والتنمية خارج سياق التحول الكبير الذي عرفه الحزب في انتخابات 2021.

فبعدما كان يتوفر على 125 مقعداً في انتخابات 2016 ويقود الحكومة، انهار تمثيله في 2021 إلى 13 مقعداً، لينتقل إلى المرتبة الثامنة ويجلس في المعارضة.

أما انتخابات 2026 فأعادته إلى المرتبة الرابعة بـ54 مقعدا، أي بزيادة 41 مقعدا مقارنة بالانتخابات السابقة. وهي قفزة كبيرة من الناحية العددية والتنظيمية، لكنها لا تعني استعادة الحزب للموقع الذي كان يحتله قبل خمس سنوات.

فالـ54 مقعداً تضع «العدالة والتنمية» ضمن القوى البرلمانية الرئيسية، لكنها لا تمنحه وحده القدرة على التأثير في تشكيل الحكومة أو قيادتها. كما أن المسافة بينه وبين الحزب المتصدر، «البام» صاحب الـ97 مقعدا، تظل كبيرة.

لذلك فإن القراءة الأكثر دقة للنتيجة تتمثل في أنها عودة قوية إلى البرلمان، لا عودة إلى قيادة المشهد الحكومي.

الخريطة الجديدة تعيد ترتيب مواقع القوى

أفرز اقتراع 23 شتنبر تغييراً واضحاً في ترتيب الأحزاب مقارنة بانتخابات 2021. فقد انتقل الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، بينما حل التجمع الوطني للأحرار ثانيا بـ66، والاستقلال ثالثا بـ65، ثم العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا.

وتعني هذه الأرقام أن الحزب المتصدر يحتاج إلى شركاء لتشكيل أغلبية برلمانية، إذ يتطلب الأمر 198 مقعدا على الأقل داخل مجلس النواب المكون من 395 مقعدا.

وبالحساب العددي، فإن «البام» والأحرار والاستقلال يتوفرون مجتمعين على 228 مقعدا، وهو رقم يتجاوز عتبة الأغلبية.

غير أن الحساب البرلماني لا يحسم وحده طبيعة الحكومة المقبلة، لأن تشكيل الأغلبية يرتبط أيضاً بالمشاورات السياسية ومواقف الأحزاب وتوزيع المسؤوليات داخلها.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل موقف العدالة والتنمية الرافض مبدئيا للمشاركة في حكومة يقودها «البام» عائقا عدديا أمام تشكيل أغلبية، لكنه يرسم منذ الآن حدودا محتملة بين معسكر حكومي ومعارضة قد يجد الحزب نفسه في قلبها.

من قيادة الحكومة إلى اختبار المعارضة من جديد

المسألة الأهم بالنسبة إلى العدالة والتنمية قد لا تكون عدد المقاعد في حد ذاته، وإنما كيفية تحويل هذه العودة البرلمانية إلى موقع سياسي مستقر.

فالحزب الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين قبل انتخابات 2021 يعود اليوم إلى البرلمان من بوابة المعارضة، لكن بكتلة أكبر بكثير من تلك التي كان يتوفر عليها خلال الولاية السابقة.

وهذا يمنحه إمكانات أوسع للمساءلة البرلمانية، والتأثير في النقاش العمومي، ومراقبة الحكومة المقبلة، وإعادة بناء حضوره السياسي والتنظيمي.

وفي المقابل، تضعه النتيجة أمام اختبار جديد: هل ستكون الـ54 مقعدا مجرد استعادة انتخابية بعد صدمة 2021، أم بداية لإعادة بناء طويل المدى لموقع الحزب داخل الحياة السياسية؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها النتائج وحدها، وإنما أيضا أداء الحزب داخل البرلمان وطبيعة خطابه وقدرته على تحويل الحضور العددي إلى ممارسة سياسية أكثر انتظاماً.

«البام» يتصدر.. والمرحلة المقبلة تبدأ بالمشاورات

في الجهة المقابلة، انتقل الأصالة والمعاصرة من موقع الشريك في الحكومة السابقة إلى الحزب المتصدر للانتخابات، وهو تحول يعيد ترتيب موازين القوى داخل الأغلبية السابقة نفسها.

غير أن تصدر النتائج لا يعني أن كل تفاصيل الحكومة المقبلة أصبحت محسومة. فالمشاورات السياسية لم تستكمل بعد، وتركيبة الأغلبية وتوزيع الحقائب وموقع الأحزاب المختلفة تظل رهينة المسار الدستوري والسياسي الذي يلي إعلان النتائج.

وفي هذا السياق، يصبح موقف العدالة والتنمية واحدا من المعطيات التي تساهم في رسم الخريطة الجديدة، لكنه ليس المعطى الوحيد، خصوصا في ظل وجود أغلبية عددية ممكنة بين الأحزاب الثلاثة المتصدرة.

مجلس بوزنيقة.. من النتيجة الانتخابية إلى القرار السياسي

تتجه الأنظار، لذلك، إلى دورة المجلس الوطني للعدالة والتنمية السبت المقبل.

فالمجلس لن يكون أمام مجرد مهمة الاحتفاء بارتفاع عدد المقاعد من 13 إلى 54، بل أمام أسئلة أوسع تتعلق بقراءة أسباب النتيجة، وتقييم أداء الحزب، وتحديد موقعه في المرحلة المقبلة.

وسيكون السؤال الأكثر وضوحا هو ما إذا كان المجلس سيحول قناعة بنكيران الرافضة للمشاركة في حكومة يقودها «البام» إلى قرار مؤسساتي للحزب.

لكن خلف هذا السؤال يوجد سؤال أعمق: ماذا يريد العدالة والتنمية أن يفعل بعودته إلى البرلمان؟

فالانتخابات أعادته إلى دائرة الفعل البرلماني، لكنها لم تعد إليه موقع قيادة الحكومة. وبين هذين الحدين سيتحدد موقع الحزب خلال المرحلة المقبلة: هل يكتفي بإعادة بناء قوته من داخل المعارضة، أم يترك الباب مفتوحاً أمام تحولات سياسية قد تعيد ترتيب الحسابات لاحقاً؟

في انتظار قرار المجلس الوطني، تبدو الصورة الحالية واضحة في خطوطها الكبرى: «البام» يتصدر ويتجه نحو تشكيل الأغلبية، والعدالة والتنمية يستعيد وزنه البرلماني ويقترب من تثبيت موقعه في المعارضة، فيما يبقى القرار المؤسسي النهائي للحزب مؤجلا إلى اجتماع السبت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى