
لم تعد قضية مدرسة القدس بطنجة مجرد واقعة انتخابية مثيرة للجدل انتهت بإغلاق صناديق اقتراع 23 شتنبر. فالتطور الذي قلب مسار الملف جاء بعد الانتخابات: “مذكرة بحث وطنية ودولية في حق عمدة طنجة، منير الليموري، بالتزامن مع معطيات تفيد بمغادرته التراب الوطني”، بينما تواصل المصالح الأمنية والقضائية تفكيك خيوط قضية الأوراق الانتخابية التي فجّرت الملف من أساسه.
![]()
من تدبير الحملة إلى خانة المبحوث عنه
بحسب مصادر إعلامية متطابقة، ورد اسم الليموري ضمن سياق الأبحاث المرتبطة بواقعة مدرسة القدس، قبل تداول معطيات عن تحرير مذكرة بحث وطنية ودولية في حقه،
كما أفادت مصادر صحفية بأنه غادر المغرب في اتجاه إسبانيا وتظل تفاصيل الإجراء، بما فيها أساسه القانوني ومضمونه الدقيق، في انتظار تأكيد رسمي منشور من الجهات المختصة.
واللافت هنا ليس مجرد ورود اسم عمدة مدينة كبرى في ملف انتخابي، بل انتقال القضية من واقعة داخل مركز اقتراع إلى إجراء ذي امتداد خارج الحدود، فمذكرة البحث الدولية، إن تأكدت تفاصيلها رسميا، تعني أن التحقيق لم يعد يبحث فقط عمن حمل الأوراق، وإنما في شبكة الوقائع والمسؤوليات التي تقف خلفها.
الحقيبة التي فتحت باباً أكبر
يعود أصل القضية إلى مدرسة القدس بمنطقة كسبراطا، حيث ضُبطت حقيبة تضم أوراقا انتخابية في محيط مركز الاقتراع، ما دفع النيابة العامة إلى فتح بحث قضائي لتحديد حقيقة الواقعة وملابساتها، وتوسعت الأبحاث لاحقاً، مع توقيف أربعة أشخاص على الأقل وفق معطيات متداولة، بينما ظلت التحقيقات مفتوحة لكشف باقي الخيوط.
ولم يعد السؤال محصوراً في الشخص الذي ضبطت بحوزته الأوراق، بل امتد إلى مصدرها، ومسار وصولها إلى مركز الاقتراع، ومن كان يعلم بوجودها، وما إذا كانت هناك مسؤوليات أخرى يمكن أن تكشفها التحقيقات.
حين تدخل مؤسسة حقوق الإنسان على الخط
وتزداد حساسية الملف بعدما تحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن ملاحظات سجلها مراقبوه بشأن واقعتين داخل مكتبي تصويت بمدرسة القدس، مع دعوة إلى إطلاع الرأي العام على نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة بشأنهما.. وهنا تتجاوز القضية حدود الصراع الحزبي: فالمساس بنزاهة الاقتراع، حتى بمجرد إثارة الشبهة، يضرب أساس الثقة التي يفترض أن تربط الناخب بصندوق التصويت.
الاختبار الحقيقي ليس في الحقيبة
الرهان الآن ليس على كثرة الروايات، بل على ما ستكشفه الأدلة، فإذا أثبتت الأبحاث أن الواقعة محدودة المسؤولية، فإن القضاء يملك وحده سلطة حسمها، أما إذا كشفت التحقيقات امتداداً أكبر للوقائع، فإن المنطق نفسه يفرض الوصول إلى جميع المسؤوليات، أياً كانت المواقع أو الصفات، لأن المشكلة التي تركتها مدرسة القدس ليست مجرد حقيبة ظهرت في المكان الخطأ، بل سؤال أكبر عن حماية صوت الناخب وعن قدرة المؤسسات على تفسير ما حدث بشفافية.
وعندما تصبح مغادرة عمدة مدينة ومذكرة بحث دولية جزءاً من ملف بدأ بأوراق انتخابية داخل مدرسة، فإن الرأي العام لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج؛ يحتاج إلى حقيقة كاملة، تثبتها التحقيقات ولا تحسمها الإشاعات.





