الرئسيةسياسة

رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.. أي حكومة؟

استقبل الملك محمد السادس، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، باعتبارها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة. وبذلك أصبحت المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.

هي، بلا شك، لحظة تاريخية في مسار المرأة المغربية، لكن السياسة لا تتوقف عند رمزية الصورة.

فوراء الاستقبال الملكي والتعيين التاريخي يوجد سؤال أكثر عمقا: أي حكومة ستقودها المنصوري؟ وبأي مفهوم للسلطة التنفيذية؟

هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

«انتظارات الملك» قبل «مسؤولية الحكومة»

في أول تصريح لها بعد الاستقبال الملكي، قالت المنصوري إنها ستعمل على اقتراح حكومة تكون «في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين»، كما أكدت أن الاستقبال كان مناسبة لتلقي «التوجيهات السامية» لتدبير المرحلة المقبلة.

العبارتان تبدوان عاديتين في الخطاب السياسي المغربي، لكنهما تفتحان سؤالا دستوريا وسياسيا كبيرا.

فبعد دستور 2011، لم يعد رئيس الحكومة مجرد منفذ لسياسات جاهزة، بل أصبح، وفق البناء الدستوري الجديد، فاعلا أساسيا داخل السلطة التنفيذية، والحكومة تمارس اختصاصات في تنفيذ السياسات العمومية، فيما يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

لذلك فإن السؤال ليس: هل تحترم المنصوري الملك؟، السؤال هو: هل ستقود حكومة سياسية لها مسؤوليتها واختصاصاتها، أم حكومة تنتظر تحديد اتجاهاتها من خارجها؟

دستور 2011.. أين يقف «رئيس الحكومة»؟

هنا بالضبط يظهر «قلب المثلث»ن فالملكية، والحكومة، والبرلمان ليست مجرد ثلاث واجهات منفصلة؛ إنها ثلاث زوايا داخل هندسة سياسية ودستورية يفترض أن يكون لكل واحدة منها مجالها ومسؤوليتها.

دستور 2011 أعاد ترتيب هذه العلاقة، ومنح رئيس الحكومة موقعا تنفيذيا وسياسيا أكثر وضوحا مما كان عليه في السابق.

لكن الممارسة السياسية خلال السنوات الماضية أعادت باستمرار طرح سؤال آخر: هل انتقلت فعلا السلطة التنفيذية إلى الحكومة كما يفترض البناء الدستوري، أم أن تعدد مراكز القرار جعل المسؤولية موزعة بينما تبقى المحاسبة مركزة على الحكومة؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمنصوري.

هل تبدأ الحكومة من الدستور أم من «التوجيهات»؟

لا توجد في التصريح الأول للمنصوري قرينة كافية للحكم بأنها ستتجاوز اختصاصاتها الدستورية أو تتخلى عنها.

لكن ترتيب الخطاب مهم سياسيا: التعيين الملكي، ثم التوجيهات الملكية، ثم الحكومة التي ستُقترح في مستوى انتظارات الملك والمواطنين.

وما ينقص هذا الخطاب، حتى الآن، هو إبراز واضح لموقع المسؤولية السياسية المستقلة للحكومة أمام البرلمان والرأي العام.

وهنا لا يتعلق الأمر بشخص فاطمة الزهراء المنصوري، ولا بكونها امرأة على رأس الحكومة؛ بل بالنموذج الذي ستجسده.

فأن تكون أول امرأة تترأس الحكومة حدث تاريخي، أما أن تكون أول رئيسة حكومة تجعل من دستور 2011 ممارسة فعلية لا مجرد مرجعية مكتوبة، فذلك سيكون تحولا سياسيا من طبيعة أخرى.

الاختبار ليس في تشكيل الحكومة.. بل في من يقرر

المشاورات التي أعلنت المنصوري أنها ستبدأها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، ثم مع مختلف الأحزاب، ستكون أول اختبار.

لكن الاختبار الأكبر سيأتي بعد تشكيل الحكومة: في البرنامج الحكومي، وفي توزيع الاختصاصات، وفي علاقة رئيسة الحكومة بالوزراء، وفي كيفية اتخاذ القرار، وفي علاقة الحكومة بالبرلمان، وفي قدرة المؤسسة التنفيذية على تحمل مسؤوليتها السياسية كاملة.

عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان «قلب المثلث» قد حدث فعلا، لأن المشكلة في المغرب لم تعد فقط في السؤال التقليدي: من يملك السلطة؟، بل في سؤال أكثر إحراجاً: من يقرر، ومن ينفذ، ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون النتائج سيئة؟

وتعيين المنصوري، بما يحمله من رمزية تاريخية، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة.

لكنه قد يتحول أيضا إلى مجرد تغيير في رأس الحكومة إذا بقيت العلاقة بين السلطة والمسؤولية على حالها.

المرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة لأول مرة، الآن يبدأ الاختبار الأصعب: هل يصل معها دستور 2011 إلى ممارسة السلطة أيضا؟

اقرأ أيضا…

الملك يعين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى