
لم يتعامل «تحالف اليسار» مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة باعتباره مجرد انتقال في الأسماء أو لحظة رمزية بوصول امرأة إلى رئاسة الجهاز التنفيذي، بل وضع التعيين داخل سؤال أوسع يتعلق بطبيعة السلطة السياسية نفسها، وبالمسافة الفاصلة بين الانتخابات وتداول السلطة.
قال جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد وممثل تحالف اليسار، إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي نشأ فيه حزب الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن وصوله إلى قيادة الحكومة بعد انتخابات 23 شتنبر يعيد، في تقدير التحالف، إنتاج المنطق السياسي نفسه الذي قام عليه الحزب منذ تأسيسه.
العسري: «البام» لم يكن ثمرة دينامية مجتمعية
وأوضح العسري، خلال ندوة صحافية عقدها التحالف اليوم الأربعاء بالدار البيضاء، أن «البام» لم يكن، في نظر التحالف، نتاجا لدينامية مجتمعية أو نضالية، وإنما نشأ من رحم السلطة باعتباره أداة لإعادة ترتيب الحقل السياسي والتحكم في الخريطة الحزبية من أعلى.
وأضاف أن المشروع الذي ارتبط بتأسيس الحزب استهدف، بحسب قراءة التحالف، تمييع العمل السياسي وإفراغ التعددية من مضمونها ومحاصرة القوى الديمقراطية والمعارضة المستقلة، وهو ما قوبل برفض القوى الديمقراطية والحركات الاحتجاجية، وفي مقدمتها حركة 20 فبراير.
من الانتخابات إلى الحكومة.. «دورة التحكم» مستمرة
وربط العسري بين نتائج الانتخابات وتعيين المنصوري، معتبرا أن عودة «البام» إلى صدارة المشهد ثم انتقاله إلى قيادة الحكومة لا يمكن، بالنسبة إلى التحالف، قراءته بمعزل عن الظروف التي جرت فيها الانتخابات.
وقال إن اقتراع 23 شتنبر عرف، وفق ما سجله التحالف، حضورا قويا للمال والريع وخروقات انتخابية، معتبرا أن وصول الحزب نفسه إلى قيادة الحكومة يعزز قناعة التحالف بأن الأمر لا يتعلق بتداول ديمقراطي مكتمل على السلطة، وإنما باستمرار ما سماه «دورة التحكم».
واعتبر أن النتيجة السياسية التي انتهت إليها الانتخابات تكرس، في نظر التحالف، استمرار التداخل بين السلطة والمال والعمل السياسي، على حساب الإرادة الشعبية.
وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يحسم طبيعة المشروع
وبخصوص البعد الرمزي لتولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة، أكد العسري أن التحالف يقدر من حيث المبدأ هذا التطور، لكنه شدد على أن تغيير جنس رئيس الحكومة لا يغير، في حد ذاته، طبيعة المشروع السياسي الذي تقوده الحكومة.
وأوضح أن التحالف يفصل بين أهمية وصول امرأة إلى هذا الموقع وبين طبيعة الاختيارات السياسية التي ستتبناها الحكومة، وكذلك الشروط التي أفرزت هذه المرحلة.
انتخابات المال والريع.. والتحالف يطعن في نزاهة المسار
وفي حديثه عن الانتخابات، جدد العسري انتقادات التحالف لما وصفه بالخروقات التي شابت العملية الانتخابية، معتبرا أن المال الانتخابي والريع ونفوذ الأعيان وشبكات الوسطاء أثرت في إرادة الناخبين.
وتحدث عن استعمال المال في محيط مراكز التصويت، ووجود سماسرة ووسطاء وشبكات للضغط على الناخبين، معتبرا أن استمرار هذه الممارسات يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي.
كما سجل التحالف، بحسب تصريح العسري، تداول أوراق التصويت خارج مكاتب الاقتراع، وغياب معازل تستجيب لمقتضيات السرية في عدد من المكاتب، إلى جانب تصوير أوراق التصويت، وهي ممارسات قال إنها تمس بسرية الاقتراع وبنزاهة العملية الانتخابية.
طنجة.. حادثة تفتح سؤالا أكبر
وتوقف ممثل التحالف بشكل خاص عند ما وصفه بمحاولة التزوير في طنجة، معتبرا أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في تفاصيلها، وإنما في دلالتها السياسية.
وقال إن وقوع مثل هذه الحادثة في مدينة كبرى وفي واضحة النهار يطرح سؤالا أوسع حول ما يمكن أن يكون قد جرى في المناطق التي لا تتوفر فيها الرقابة نفسها، خصوصا في القرى والبوادي.
كما انتقد التحالف ما اعتبره اختلالات في التنظيم والحياد، من بينها منع بعض المراقبين من أداء مهامهم، وعدم التدخل بالصرامة اللازمة لوقف الخروقات، وتأخير تسليم المحاضر، معتبرا أن هذه الوقائع تطرح أسئلة حول حياد الإدارة وسلامة المسار الانتخابي.
ثمانية مقاعد.. والتحالف يختار المعارضة
وبعدما حسم تحالف اليسار موقعه في المعارضة، أكد العسري أن التحالف سيدخل المرحلة المقبلة بمعارضة وصفها بالمستقلة وذات المصداقية، رافضا الخضوع للتحكم أو الارتهان لإغراءات المال.
واعتبر أن النتائج التي حققها التحالف، بحصوله على ثمانية مقاعد، تؤكد قدرته على تثبيت نفسه كقوة يسارية موحدة داخل المؤسسة التشريعية، معتبرا أن هذه النتيجة تمنحه موقعا يسمح له بالمساهمة في بناء بديل سياسي واجتماعي.
من المعارضة إلى بناء البديل
وشدد العسري على أن نواب ونائبات التحالف سيكونون، وفق التعهد الذي قدمه باسم التحالف، صوتا معارضا لا يساوم في قضايا التعليم والصحة والمرافق العمومية والحريات والعدالة الاجتماعية والمجالية.
كما تعهد بمواجهة الفساد واقتصاد الامتيازات وسياسات الإفقار، وربط ذلك بمواصلة العمل على توحيد القوى التقدمية والديمقراطية والحركات الاجتماعية والنقابية وكل القوى التي يعتبرها التحالف جزءا من معركة التغيير.
تحالف اليسار يضع معارضته للحكومة في إطار أوسع
وبذلك، يضع تحالف اليسار معارضته للحكومة الجديدة في إطار أوسع من مجرد مواجهة الأغلبية؛ فهو يعتبر أن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل ستنتقل الحكومة الجديدة من تغيير الأشخاص والأحزاب إلى تغيير قواعد ممارسة السلطة، أم أن ما تغير هو الواجهة فقط بينما ظل «قلب المثلث» على حاله؟ المقصود ب”المثلث” هنا، أن التحالف، لا يناقش فقط هوية رئيسة الحكومة، بل يناقش من أين تستمد الحكومة قوتها السياسية، وما إذا كانت الانتخابات تغير فعلاً موازين السلطة أم تعيد توزيع الأدوار داخل المثلث نفسه.
وحين يتحدث التحالف على «قلب المثلث»و يعيد وضعه على الطاولة، أي: العلاقة بين السلطة، والحزب، والحكومة. فإذا تغير الحزب الذي يقود الحكومة بينما بقيت الحدود الفعلية للقرار السياسي كما هي، فإن تغيير الواجهة لا يعني بالضرورة تغييرا في طبيعة الحكم.





