
ليس التناقض بين ما أعلنته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان وما ورد في الصيغة النهائية المكتوبة للبرنامج الحكومي مجرد تفصيل تقني يمكن تجاوزه.
يتعلق الأمر بالتزام سياسي بتجريم الإثراء غير المشروع أُعلن شفهيا، لكنه غاب عن الوثيقة الرسمية التي تحدد توجهات الحكومة للفترة 2026-2031.
وبين الإعلان والحذف، تبرز أسئلة محرجة عن الإرادة السياسية لمكافحة الفساد، وعن الضغوط التي قد تكون حالت دون تضمين هذا الالتزام في البرنامج النهائي، وعن المواقف التي تتعامل مع هذا التشريع باعتباره ملفا قابلا للتأجيل.
وإذا كان التصريح الشفهي قد فتح باب الانتظار، فإن الحذف من الوثيقة المكتوبة يعيد القضية إلى نقطة أكثر تعقيدا: هل نحن أمام التزام حكومي فعلي بإخراج القانون إلى حيز الوجود، أم أمام إعلان سياسي لم يصمد أمام لحظة صياغة الأولويات النهائية؟
من إعلان المنصوري إلى الحذف من البرنامج
أعلنت المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، التوجه نحو تجريم الإثراء غير المشروع، مستندة إلى مقتضيات الفصل 36 من الدستور المرتبطة بمكافحة الفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ. غير أن هذا الالتزام لم يُدرج صراحة في الصيغة المكتوبة والنهائية للبرنامج الحكومي.
وهنا تكمن المفارقة السياسية: كيف يمكن لحكومة تعلن مكافحة الفساد ضمن أولوياتها أن تستبعد من وثيقتها الرسمية أحد التدابير القانونية الأساسية المرتبطة بمساءلة أصحاب الثروات التي لا تتناسب مع مصادر دخلهم المشروعة؟
إن حذف هذا الالتزام ليس أمرا محايدا. فهو يضع الحكومة أمام مسؤولية تفسير التناقض بين ما قيل أمام البرلمان وما اختير تثبيته في الوثيقة النهائية.
كما يطرح سؤالا مشروعا حول ما إذا كان هذا الحذف نتيجة مراجعة سياسية للالتزامات الحكومية، أم استجابة لتحفظات وضغوط داخلية لم تسمح بتحويل الإعلان إلى التزام مكتوب واضح.
ولا يمكن الجزم بمصدر هذه الضغوط من دون معطيات موثقة، لكن غياب الالتزام عن البرنامج النهائي يجعل السؤال عن خلفيات الحذف ضروريا، لا مجرد تكهن سياسي.
صابري وقرينة البراءة.. ضمانة قانونية أم مدخل للتسويف؟
في هذا السياق، جاءت مداخلة هشام صابري، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، يوم 22 أكتوبر، لتضيف بُعدا آخر إلى النقاش.
فقد دعا إلى استكمال الإطار التشريعي لمكافحة الإثراء غير المشروع من خلال مقتضيات جنائية واضحة ودقيقة تحدد الأفعال الممنوعة وشروط المسؤولية والعقوبات، مع احترام مبدأ الشرعية وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ظاهريا، تبدو هذه الدعوة حديثا عن شروط الصياغة القانونية السليمة، لكن المشكلة لا تكمن في ضرورة احترام قرينة البراءة، فهي ضمانة أساسية لا جدال فيها، وإنما في توظيفها سياسيا لتوسيع دائرة التحفظ على القانون، وتحويل النقاش من ضرورة التجريم إلى شروط قد تصبح مدخلا لتأجيله.
فحين يغيب الالتزام بالتجريم عن البرنامج الحكومي المكتوب، ثم يُطرح خطاب واسع حول الضمانات والتحفظات، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام حرص فعلي على إخراج قانون متوازن، أم أمام إعادة إنتاج المبررات التي قد تبقي هذا الورش معلقا.
ولا يعني ذلك أن صابري أعلن صراحة رفض القانون، كما فعل في السابق زميله في حزب التراكتور ووزير العدل السابق والحالي عبداللطيف وهبي؛ فمضمون مداخلته، كما ورد، لا يثبت هذا الاستنتاج بصورة مباشرة.
لكن قراءتها في سياق الحذف من البرنامج الحكومي تسمح بطرح سؤال سياسي واضح: هل ستُستخدم هذه التحفظات لصياغة قانون فعال، أم ستتحول إلى حجة جديدة للمماطلة؟
قرينة البراءة ليست حصانة للثروات المشبوهة
لا تعارض بين تجريم الإثراء غير المشروع واحترام قرينة البراءة. فالتحدي الحقيقي هو وضع قواعد دقيقة تحدد نطاق التجريم، وتضمن حق الدفاع، وتخضع إجراءات الإثبات لرقابة القضاء، من دون تحويل الضمانات القانونية إلى وسيلة لتعطيل التشريع.
إن مكافحة الفساد لا تستقيم بالاكتفاء بترديد مبادئ المحاكمة العادلة، كما لا تستقيم بتجاوزها.
المطلوب قانون واضح، لا يستهدف الأشخاص بسبب ثرواتهم في حد ذاتها، ولا يفترض الإدانة مسبقا، لكنه يوفر آليات قانونية فعالة للتحقيق في حالات الثراء غير المبرر ومساءلة المسؤولين عنها وفق ضمانات قضائية واضحة.
أما الإبقاء على النقاش محصورا في التحفظات، من دون التزام حكومي مكتوب بموعد أو مسار تشريعي واضح، فيفتح الباب أمام إفراغ مكافحة الإثراء غير المشروع من مضمونها العملي.
مشروع مؤجل وسؤال الإرادة السياسية
ليست هذه المرة الأولى التي يتعثر فيها هذا الملف. فقد سبق أن تضمن مشروع القانون الجنائي رقم 10.16 مقتضيات مرتبطة بالإثراء غير المشروع، قبل سحب المشروع سنة 2021.
وهو ما يجعل غياب الالتزام الصريح من البرنامج الحكومي الحالي أكثر دلالة، لأنه يعيد طرح سؤال التأجيل المتكرر، رغم استمرار الخطاب الرسمي حول تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد.
والأمر لا يتعلق بمقتضى قانوني معزول، بل بأحد المداخل الممكنة لتعزيز الشفافية والمساءلة، إلى جانب التصريح بالممتلكات، وتضارب المصالح، وحماية المبلغين عن الفساد. لذلك، فإن إدراج هذه التدابير في البرنامج الحكومي لا يعوض غياب التزام واضح بشأن تجريم الإثراء غير المشروع.
المطلوب اليوم ليس مزيدا من التصريحات، ولا توسيع دائرة التحفظات، بل جواب سياسي صريح: لماذا حُذف الالتزام بالتجريم من البرنامج الحكومي النهائي بعد الإعلان عنه شفهيا؟ وهل ستتقدم الحكومة بمشروع قانون محدد، أم سيظل الملف رهين نقاشات مفتوحة حول شروطه وضماناته؟
إن الاختبار الحقيقي لجدية مكافحة الفساد ليس في إعلان الحرب عليه، بل في الاستعداد لسن القوانين التي تجعل المحاسبة ممكنة.
أما أن يُعلن الالتزام أمام البرلمان، ثم يُحذف من الوثيقة الرسمية، ويُفتح النقاش على تحفظات قد تؤخر التشريع، فذلك يضع الإرادة السياسية نفسها موضع المساءلة.




