لم يحتج «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتدبير مرحلة ما بعد الحرب في غزة إلى وقت طويل حتى تظهر التناقضات التي تهدد مشروعه بالتعثر.
فالمجلس الذي رُوج له باعتباره إطارا دوليا لتنسيق إعادة الإعمار وترتيبات الأمن والحوكمة في القطاع، يواجه، وفق معطيات كشفتها مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، صعوبات في توفير الموارد البشرية والمالية واللوجستية الضرورية لتنفيذ مهامه، وسط غموض يحيط بتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات الأمريكية والعسكريين والمدنيين.
وتكشف برقية دبلوماسية أمريكية، أرسلها السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى مسؤولين في وزارة الخارجية، عن فجوة بين الطموحات المعلنة للمجلس والقدرات المتاحة على الأرض. وهي فجوة تعزز الانطباع بأن هذا المشروع قد يكون وُلد ميتاً من الناحية العملية، قبل أن يتمكن من ترجمة وعوده إلى نتائج ملموسة للفلسطينيين، خصوصاً في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وتأخر إعادة الإعمار وتفاقم معاناة النازحين.
برقية أمريكية تكشف ارتباك المشروع
بحسب تقرير أعدته دانييلا تيشسلو ونشرته مجلة «بوليتيكو» يوم الخميس، 22 أكتوبر 2026، فإن البرقية التي لم يسبق الكشف عنها تطرح تساؤلات جدية بشأن قدرة مجلس السلام والسفارة الأمريكية في القدس على توفير الأطر البشرية اللازمة لتنفيذ خطة ترامب في غزة.
ووفقاً لما أوردته المجلة، فإن مخاوف هاكابي لا تتعلق فقط بنقص الموظفين، بل تشمل أيضاً غياب تصور واضح بشأن الموارد المالية واللوجستية المطلوبة، ومدى استعداد المؤسسات المعنية لتحمل المسؤوليات التي ستترتب على تنفيذ الخطة.
وتعكس هذه التحذيرات، بحسب مضمون البرقية الذي نقلته «بوليتيكو»، صعوبة الانتقال من إعلان المبادرات السياسية إلى بناء آلية قادرة على إدارة ملفات معقدة، تشمل الأمن ونزع السلاح والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم في قطاع لا يزال يعيش تداعيات الحرب.
انسحاب البنتاغون يضع الخطة أمام اختبار صعب
وتركز جانب أساسي من التحفظات التي أوردتها «بوليتيكو» على مستقبل مركز دعم غزة الدولي، المكلف بتنسيق الجهود بين الولايات المتحدة وإسرائيل والشركاء الدوليين.
فالمركز يواجه، وفق البرقية، تحدياً مرتبطاً بالخطة الأمريكية الرامية إلى تقليص وجود كوادر وزارة الحرب الأمريكية، المعروفة باسم البنتاغون، خلال العام المقبل، ونقل المهام التي كانت تضطلع بها هذه الكوادر إلى مسؤولين مدنيين.
وفي هذا السياق، نقلت المجلة عن هاكابي قوله إن السفارة الأمريكية في القدس لا تتوفر حالياً على الموارد البشرية التي تسمح لها بتولي تلك المسؤوليات، وإن قدرتها على القيام بذلك قد تتحسن إذا حصلت على تحديد دقيق للاحتياجات من الموظفين والتمويل والدعم اللوجستي.
كما أشار السفير، وفق «بوليتيكو»، إلى أن مجلس السلام يعمل على توسيع طاقمه، لكن مدى قدرته على الاضطلاع بكامل المهام المسندة إليه لا يزال غير محسوم.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً جوهرياً حول جدوى إنشاء مجلس يُفترض أن يقود مرحلة شديدة التعقيد في غزة، من دون ضمان توافر الوسائل المؤسسية والبشرية الكافية لتنفيذ ما أُسند إليه من مسؤوليات.
مدنيون مكان العسكريين.. ومخاوف من تعثر التنسيق
ومن بين النقاط التي أثارت قلق هاكابي، وفق ما كشفته «بوليتيكو»، احتمال أن يؤدي نقل قيادة عمليات مركز التنسيق إلى مسؤولين مدنيين إلى تعقيد التعاون مع الجيش الإسرائيلي.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق التحركات الميدانية، وهي ملفات قد تتأثر بتغيير طبيعة الجهة التي تتولى إدارة المركز.
وبحسب المجلة، تساءل السفير الأمريكي عن الضمانات التي ستكفل استمرار العمليات الأساسية للمركز خلال مرحلة الانتقال، وعن الشروط التي ينبغي استيفاؤها قبل الشروع في نقل المسؤوليات إلى وزارة الخارجية ومجلس السلام.
وتكشف هذه التساؤلات، في جوهرها، عن غياب اليقين بشأن كيفية اشتغال الآلية الأمريكية المقترحة، وعن المخاطر التي قد تترتب على تغيير البنية القيادية في وقت لم تتضح فيه بعد قدرة المجلس على فرض مسار عملي ومستقر داخل القطاع.
مجلس السلام يعلن الجاهزية.. والبرقية تشكك في الإمكانات
وفي الوقت الذي ترسم فيه البرقية، وفق «بوليتيكو»، صورة مليئة بالتحفظات، قدم مجلس السلام رواية مختلفة، مؤكداً أنه لم يكن على علم بالمراسلة الدبلوماسية، وأنه يثق في الخطط الموضوعة لتحسين الأوضاع الإنسانية والأمنية وتطوير الحوكمة وسيادة القانون والبنية التحتية في غزة.
وأضاف المجلس، بحسب ما نقلته المجلة، أن قدراته وأنظمته القائمة قوية وجاهزة للتنفيذ.
أما البنتاغون فأحال استفسارات «بوليتيكو» إلى وزارة الخارجية الأمريكية، التي امتنعت عن التعليق.
لكن التباين بين تأكيدات المجلس بشأن جاهزيته والتحذيرات الواردة في البرقية يسلط الضوء على مشكلة أساسية: فالإعلان عن امتلاك الخطط والأنظمة لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع مدمر يحتاج إلى تمويل ضخم وإدارة فعالة وتنسيق دولي مستمر.
تأخر الإعمار يهدد اللجنة الفلسطينية
ولا تقف المخاطر، وفق المعطيات التي أوردتها «بوليتيكو»، عند حدود الخلافات التنظيمية أو نقص الموارد، بل تمتد إلى مستقبل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين يُنتظر أن تتولى مسؤوليات إدارية في القطاع.
فقد حذر هاكابي، بحسب البرقية التي نشرتها المجلة، من أن استمرار التأخير في إعادة الإعمار قد يضعف موقع اللجنة ويقوض قدرتها على اكتساب المصداقية لدى الفلسطينيين.
ودعا السفير إلى زيادة المساعدات الإنسانية بما يتلاءم مع أولويات اللجنة والإدارة الأمريكية، مع ربط جهود الإغاثة بخطة طويلة الأمد لإعادة بناء القطاع، بما يساعد على منع التراجع ويعزز الثقة في المؤسسات المكلفة بإدارته.
كما أشار، وفق «بوليتيكو»، إلى أن واشنطن ستضغط على المانحين الأجانب للمساهمة في تغطية الاحتياجات الإنسانية.
غير أن هذا الرهان يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية لتوفير التمويل اللازم، وبقدرة الآليات القائمة على تحويل التعهدات إلى مساعدات فعلية ومشروعات إعمار تصل إلى الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم ومصادر عيشهم.
مجلس يتحرك ببطء فيما الحرب لم تتوقف
وتأتي التحذيرات التي نقلتها «بوليتيكو» في سياق ميداني وسياسي بالغ التعقيد، إذ لا تزال الغارات الإسرائيلية مستمرة في غزة، بينما يعيش معظم الفلسطينيين بعيداً عن منازلهم التي دمرتها الحرب التي اندلعت عقب هجمات حماس في أكتوبر 2023.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أقر إطار عمل مجلس السلام الذي أنشأه ترامب، وبدأ المجلس نشاطه في فبراير 2026، مع إسناد دور إليه في تنسيق تمويل إعادة إعمار القطاع. كما وافقت دول أوروبية لم تنضم إلى المجلس على مواءمة عملها معه.
لكن مرور الوقت من دون تقدم ملموس في إعادة الإعمار يثير تساؤلات بشأن قدرة هذا الإطار على إحداث تغيير فعلي في حياة السكان، ولا سيما أن نجاح أي خطة لا يُقاس بحجم الترتيبات السياسية المعلنة، وإنما بقدرتها على توفير الأمن والمأوى والخدمات الأساسية وضمان استمرار تدفق المساعدات.
وقبل نحو أسبوعين من نشر تقرير «بوليتيكو»، قال هاكابي لقناة «فوكس نيوز» إن مجلس السلام يمكن أن يتقدم تدريجياً، محملاً حماس مسؤولية التعطيل، ومتهماً الحركة بعدم الوفاء بالتزامات نزع السلاح.
غير أن مضمون البرقية التي كشفت عنها المجلة يبين أن الصعوبات لا ترتبط، وفق المخاوف التي عبّر عنها السفير نفسه، بالعوامل الميدانية وحدها، بل تشمل أيضاً مشكلات في الجاهزية المؤسسية وتوفير الموارد وتوزيع الاختصاصات داخل المنظومة الأمريكية المشرفة على الخطة.
تحذيرات من عودة الحرب وتعثر القوة الدولية
وتتزامن هذه الصعوبات، بحسب التقرير، مع مخاوف أمنية متزايدة بشأن مستقبل وقف إطلاق النار. فقد ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، يوم الخميس، 22 أكتوبر 2026، أن الجيش الإسرائيلي قدم لضباط أمريكيين معلومات استخباراتية تفيد بأن حماس تستعد لاستئناف القتال، وأن نزع سلاحها لن يتحقق، وفق تلك المعلومات، إلا بالعودة إلى الحرب.
كما أفادت صحيفة «الغارديان» في وقت سابق من أكتوبر 2026 بأن إسرائيل تعرقل بناء قاعدة في غزة كان يفترض أن تتمركز فيها قوات دولية مكلفة بالمساهمة في تحقيق الاستقرار.
ومن المنتظر أن يؤدي مركز دعم غزة الدولي دوراً محورياً في دعم قوة الاستقرار الدولية التي يعتزم مجلس السلام نشرها في القطاع. إلا أن الصعوبات المتعلقة بموارد المركز، إلى جانب تعقيدات التنسيق مع الجيش الإسرائيلي، قد تزيد من هشاشة الترتيبات الأمنية المقترحة.
وفي هذا الإطار، نقلت «بوليتيكو» عن توماس واريك، المسؤول السابق بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية المختص بسياسة مكافحة الإرهاب، قوله إن السفارة الأمريكية تضغط على واشنطن للحصول على توضيحات وموارد إضافية لإنجاح خطة ترامب. وحذر واريك من أن حماس تزداد قوة، وأن مجلس السلام يتحرك ببطء شديد على الأرض، من دون خطة تحقق نتائج ملموسة.
مشروع وُلد ميتاً أم خطة تبحث عن فرصة أخيرة؟
وتضع المعطيات التي كشفت عنها «بوليتيكو» مجلس السلام أمام اختبار يتجاوز الخلاف حول عدد الموظفين أو الجهة التي ستتولى إدارة مركز التنسيق. فالمشكلة الأعمق تتمثل في الفجوة بين الأهداف المعلنة والقدرة الفعلية على تحقيقها، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتأخر الإعمار، وغموض مستقبل الترتيبات الأمنية والإدارية.
وإذا كانت واشنطن تراهن على مجلس السلام باعتباره أداة لتنسيق مرحلة ما بعد الحرب، فإن التحذيرات الصادرة من داخل جهازها الدبلوماسي تكشف أن بناء الهيكل السياسي لا يكفي وحده لضمان نجاح المهمة، وأن غياب الموارد والرؤية التنفيذية الواضحة قد يحول المجلس إلى إطار شكلي عاجز عن الاستجابة لحجم الكارثة الإنسانية.
ومن هنا، فإن وصف المجلس بأنه «وُلد ميتاً» يظل حكماً سياسياً يستند إلى مؤشرات التعثر التي أبرزها التقرير، وليس حقيقة نهائية محسومة. لكن استمرار هذه الاختلالات، من دون معالجة جدية، قد يجعل المجلس عاجزاً عن تجاوز لحظة الإعلان عنه، ويحول الوعود بإعادة بناء غزة إلى مشروع مؤجل، بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن الحرب والانتظار.