
بكريم يكتب: اليسار أمام امتحان الأمازيغية 2/1
تنشر «دابا بريس» رأي الصحافي والمهتم والفاعل الأمازيغي الحسن بكريم، في حلقتين، حول إشكالية العلاقة بين اليسار المغربي والقضية الأمازيغية، وما تطرحه من أسئلة بشأن مدى انسجام الشعارات الديمقراطية والحقوقية التي تتبناها مكونات اليسار مع مواقفها وممارساتها تجاه الأمازيغية، ويناقش هذا الرأي الخلفيات التاريخية والإيديولوجية التي أسهمت في تشكيل هذه العلاقة، وتأثير المرجعيات الماركسية والقومية العربية، والتباين بين الاعتراف النظري بالتعدد الثقافي والدفاع العملي عن الحقوق اللغوية والمؤسساتية للأمازيغية، مستحضراً مواقف بعض التنظيمات اليسارية، ومثيراً أسئلة حول حدود المراجعة الفكرية والسياسية التي عرفتها. كما يتوقف عند ضرورة تجاوز اختزال الأمازيغية في التراث والفلكلور، والنظر إليها باعتبارها قضية مواطنة ومساواة وعدالة لغوية وثقافية، في ضوء التحولات الدستورية والمجتمعية التي عرفها المغرب، وما تفرضه من إعادة تقييم لمفاهيم الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية داخل المشروع اليساري.
اليسار والأمازيغية.. الحاجة إلى مصالحة فكرية وسياسية
بقلم: لحسن بكريم
كيف يمكن لتيارات سياسية جعلت من الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة شعارات مركزية في خطابها أن تظل علاقتها بالأمازيغية محكومة بالتردد والتحفظ والاختلاف؟ وهل استطاع اليسار المغربي أن يراجع مرجعياته الفكرية بما ينسجم مع التحولات الدستورية والمجتمعية التي عرفتها القضية الأمازيغية؟
تطرح العلاقة بين اليسار المغربي والأمازيغية واحدة من أكثر الإشكاليات الفكرية والسياسية إثارة للنقاش في تاريخ المغرب المعاصر. فهي علاقة تتقاطع فيها المرجعيات الإيديولوجية مع تصورات الهوية الوطنية، وتتداخل فيها المواقف المبدئية المعلنة مع الممارسة السياسية والتنظيمية.
لقد ارتبط اليسار المغربي، بمختلف مدارسه وتياراته، بالدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات العامة وحقوق الإنسان، وساهمت مكوناته في محطات مهمة من النضال السياسي والحقوقي. غير أن موقع الأمازيغية داخل هذا المشروع ظل موضوع خلاف، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالانتقال من الاعتراف بالتعدد الثقافي إلى تبني مطالب لغوية ومؤسساتية واضحة.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: هل يمكن بناء مشروع ديمقراطي حداثي دون الاعتراف الكامل بالتعدد اللغوي والثقافي للمجتمع الذي يسعى هذا المشروع إلى تغييره؟
من الصراع الطبقي إلى سؤال الهوية
لفهم هذه العلاقة، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الحركة اليسارية المغربية، خصوصاً منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
فقد تأثر جزء مهم من اليسار المغربي بالماركسية والقومية العربية وحركات التحرر الوطني، وهي مرجعيات جعلت الصراع الطبقي ومناهضة الاستعمار ومقاومة الاستغلال الاقتصادي في مقدمة الأولويات.
وفي هذا السياق، لم تحظ القضية الأمازيغية بالاهتمام نفسه الذي حظيت به القضايا الاجتماعية والسياسية، بل نظر بعض اليساريين إلى المطالب الثقافية واللغوية باعتبارها قضايا ثانوية مقارنة بالتناقضات الطبقية.
وكانت النتيجة أن سؤال الهوية والتعدد اللغوي لم يجد دائماً موقعه الطبيعي داخل التصورات السياسية لبعض التنظيمات اليسارية، رغم أن الأمازيغية كانت حاضرة في الحياة اليومية للمغاربة، وفي الثقافة الشعبية والذاكرة التاريخية والممارسات الاجتماعية.
لكن هذا التفسير التاريخي لا يكفي وحده. فقد عرف الفكر اليساري العالمي مراجعات عميقة، انتقل معها من التركيز الحصري على التفاوتات الاقتصادية إلى الاهتمام بحقوق الأقليات والتنوع الثقافي والعدالة اللغوية والاعتراف بالاختلاف.
ومن ثم، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما ورثه اليسار المغربي من مرجعيات فكرية، بل أيضاً بمدى استعداده لتطويرها.
اليسار القديم والجديد.. مواقف متباينة وأسئلة مشتركة
عندما نتحدث عن اليسار المغربي، فإننا نتحدث عن عائلة سياسية واسعة، تضم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى جانب تيارات ماركسية وراديكالية وتنظيمات أخرى.
ومن غير الدقيق اعتبار هذه المكونات كتلة متجانسة في مواقفها من الأمازيغية. فهناك اختلافات بين البرامج الرسمية والمواقف الفردية والممارسات السياسية.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك أن البرنامج المرحلي للحزب الاشتراكي الموحد تضمن دفاعاً صريحاً عن دسترة الاعتراف بالمكون الأمازيغي، وعن دسترة اللغة الأمازيغية لغة لجميع المغاربة. وهو موقف موثق لا يجوز تجاهله عند تقييم علاقة اليسار بالقضية الأمازيغية.
غير أن الاعتراف بهذه المواقف لا يمنع من طرح أسئلة نقدية على مجمل العائلة اليسارية، القديمة والجديدة: إلى أي حد تحولت المواقف المعلنة إلى ممارسة سياسية يومية؟ وما موقع الأمازيغية في الخطاب الانتخابي، وفي الهياكل الحزبية، وفي المبادرات التشريعية، وفي التواصل مع المواطنين؟ (حالة البرلماني بنجلون اليوم !)
فالمسافة بين تبني الحقوق في الوثائق الحزبية وبين الدفاع عنها في الواقع قد تكون واسعة.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في النوايا، وإنما بضرورة إخضاع المواقف السياسية لاختبار الممارسة والنتائج.
الأمازيغية ليست قضية فلكلورية
من بين الإشكالات التي طبعت التعامل السياسي مع الأمازيغية اختزالها، أحياناً، في بعدها التراثي والفني، باعتبارها لغة الأغاني الشعبية والرقصات التقليدية والمهرجانات والموروث الشفهي.
والحال أن الأمازيغية ليست مجرد تراث يستحق الاحتفاء، وإنما لغة وثقافة وهوية وحقوق مواطنة.
إن الدفاع عن أحواش والروايس والشعر الأمازيغي لا يعوض الدفاع عن حق الطفل في تعلم الأمازيغية، ولا عن حق المواطن في استعمال لغته داخل الإدارة والمحكمة والمستشفى، ولا عن حضورها في الإعلام والمؤسسات العمومية.
وهنا يصبح ضرورياً التمييز بين الاعتراف الثقافي والاعتراف الحقوقي والمؤسساتي.
فالحداثة لا تقاس فقط بالدفاع عن حرية التعبير أو المساواة الاجتماعية، وإنما أيضاً بمدى الاعتراف بحقوق المواطنين في لغاتهم وثقافاتهم، وبقدرة المؤسسات على تحويل هذه الحقوق إلى واقع ملموس.
لماذا يتردد بعض اليساريين أمام المطالب الأمازيغية؟
يمكن تفسير بعض أوجه التوتر بين الفكر اليساري والقضية الأمازيغية بعدة عوامل متداخلة.
أولها التأثير التاريخي للفكر القومي العربي، الذي ارتبط لدى بعض التيارات اليسارية بتصور للهوية الوطنية يمنح اللغة العربية موقعاً مركزياً، دون استيعاب كافٍ للتعدد اللغوي والثقافي المغربي.
وثانيها استمرار تأثير القراءة الطبقية التقليدية، التي تعتبر المطالب الثقافية واللغوية أقل أهمية من المطالب الاقتصادية والاجتماعية.
وثالثها الخشية لدى بعض الفاعلين من تحول المطالب الهوياتية إلى انقسامات مجتمعية، وهي خشية تستحق النقاش، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإرجاء الحقوق الدستورية.
أما العامل الرابع فيتعلق بطبيعة الممارسة الحزبية نفسها، حيث قد تتحول الشعارات الديمقراطية إلى مرجعيات عامة لا تنعكس بالضرورة على الأولويات التنظيمية والبرامج العملية.
وهذا يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم العدالة الاجتماعية: هل يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية حقيقية دون عدالة لغوية وثقافية؟
فالطفل الذي لا يجد لغته الأم في المدرسة، والمواطن الذي يواجه صعوبة في التواصل مع الإدارة أو المؤسسات الصحية بسبب اللغة، يعيشان شكلاً من أشكال التفاوت الذي لا يمكن فصله عن القضايا الاجتماعية.





