
حوار عرشان..البكاري يشرح نقطتي خلافه مع المهدوي
أكد الناشط الحقوقي خالد البكاري أن عتابه للصحافي حميد المهدوي بشأن حواره مع محمود عرشان لم يكن تشكيكا في نواياه أو مهنيته، موضحا أن انتقاداته انصبت أساسا على تقديم وثيقة منسوبة إلى جمال بنعمر دون التحقق من صحتها، وعدم استحضار شهادات موثقة لضحايا التعذيب المنسوب إلى عرشان.
عاد النقاش حول الحوار الذي أجراه الصحافي حميد المهدوي مع محمود عرشان إلى الواجهة، بعدما نشر الناشط الحقوقي خالد البكاري توضيحا جديدا على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تفاعل فيه مع رد المهدوي على الانتقادات التي وجهها إليه بخصوص الحلقة.
وجاء موقف البكاري عقب بث المهدوي حلقة خاصة على قناته باليوتيوب، رد فيها على ما أثاره كل من الكاتب الصحافي علي أنوزلا والناشط الحقوقي خالد البكاري بشأن حواره مع عرشان، ولا سيما ما اعتبره المهدوي تجنيا على عمله الصحافي ومساسا بطريقة إدارته للحوار.
وفي مستهل تدوينته، تقدم البكاري باعتذار للمهدوي عن أي عبارة ربما أساءت إليه، مؤكدا أنه لم يقصد التشكيك في مهنيته، التي قال إنها لا تحتاج إلى شهادة منه أو من غيره.
وأضاف أن تفاعله الكتابي مع رد المهدوي السمعي البصري يأمل أن يكون كافيا لتجاوز أي سوء تفاهم، مشيرا إلى أن المهدوي يمتلك قدرة على التأثير أمام الكاميرا لا تتوفر لكثيرين، بمن فيهم هو نفسه.
«عتاب المحب» وليس تشكيكا في المهنية
وأوضح البكاري أن انتقاده لم يكن نابعا من التشكيك في نوايا المهدوي، ولا من التقليل من تكوينه أو قدراته الصحافية، كما فهم المهدوي من تدوينته السابقة، بل كان، بحسب تعبيره، «عتاب المحب» بشأن ما اعتبره تقصيرا محتملا في الإعداد للحلقة.
وأكد أن هذا التقدير يظل قابلا للخطأ والصواب، مبرزا أن التقصير في التحضير لأي عمل، سواء تعلق بمحاضرة أو درس أو حوار صحافي، أمر قد يقع حتى للمهنيين والمتمرسين، بفعل ضيق الوقت أو الاعتقاد بأن المهمة ستكون سهلة، قبل أن تكشف مجرياتها عن معطيات غير متوقعة.
وشدد البكاري على أن افتراضه وجود تقصير في الإعداد، حتى لو كان صحيحا، لا يعني الانتقاص من قيمة المهدوي أو الاستخفاف بعمله الصحافي.
وأضاف أن تدوينته السابقة كانت موجهة، في جزء كبير منها، إلى الرد على ما أورده ضيف الحلقة، موضحا أنه ما كان ليتابع الحوار لولا أهمية الموضوع واحترامه للعمل الصحافي الذي يقدمه المهدوي.
مذكرات إدغار فور ليست موضوع العتاب
وبخصوص ما أثاره الحوار حول مذكرات إدغار فور ومساهمة الحركة الوطنية في عودة الملك محمد الخامس، أوضح البكاري أن تعقيبه في هذه النقطة كان موجها إلى محمود عرشان، وليس إلى المهدوي.
وقال إن اعتراضه انصب على نسبة معطيات إلى مذكرات إدغار فور اعتبر أنها غير واردة فيها، وليس على موقف عرشان من دور الحركة الوطنية في عودة محمد الخامس.
وأضاف أنه لم يكن ليوجه أي عتاب إلى المهدوي بشأن هذه النقطة، حتى على فرض أنه لم يصحح للضيف ما يتعلق بمضمون المذكرات، معتبرا أن الضيف قد يثير، خلال الحوار، موضوعات جانبية لم يستحضرها الصحافي بالضرورة أثناء الإعداد.
واستغرب البكاري أن يكون المهدوي قد اعتبر هذا التعقيب موجها إليه، أو أنه يتضمن تشكيكا في معرفته بوقائع المفاوضات المتعلقة بإنهاء نظام الحماية، مؤكدا أنه لا يشك في إلمامه بهذه المرحلة التاريخية.
وثيقة منسوبة إلى جمال بنعمر وشبهة عدم التحقق
وحصر البكاري عتابه للمهدوي في نقطتين أساسيتين، تتعلق الأولى بتقديم وثيقة منسوبة إلى جمال بنعمر على أنها صادرة عنه، دون التثبت من صحتها، وفق ما أورده في تدوينته.
وأوضح أن الوثيقة تتضمن، بحسب تقديره، معلومات غير صحيحة، من بينها الإشارة إلى الاحتجاج في جنيف على وجود جلاد، معتبرا أن الأمر كان يتعلق بقدور اليوسفي، وليس محمود عرشان.
وأشار إلى أن الوثيقة المتداولة أعيد نشرها حتى من طرف حقوقيين ومنظمات حقوقية، دون التحقق منها، لكنه اعتبر أن إعداد المهدوي للحلقة كان يقتضي، في نظره، الاتصال بجمال بنعمر وطلب توضيحات إضافية بشأنها.
وفي هذا السياق، شرح البكاري أن وصفه ما وقع بأنه «بينالتي مجاني» لم يكن اتهاما للمهدوي بسوء النية، بل تشبيها بما يحدث في كرة القدم عندما يتسبب لاعب، دون قصد، في ضربة جزاء ضد فريقه.
ورفض البكاري مقارنة هذا الانتقاد بما اعتبره المهدوي رفضا لوثائق أو شهادات صحيحة عندما تخدم مصلحة متهم، موضحا أن موقفه كان سيختلف لو ثبتت صحة الوثيقة وكانت تخدم رواية الضيف، لأن مواجهة الوثائق بعضها ببعض، بحسب تعبيره، تندرج ضمن صميم العمل الصحافي والقضائي النزيه.
واعتبر أن الوثيقة، كما وصفها، أتاحت لعرشان فرصة الظهور بمظهر الصادق، لأن من السهل دحضها إذا كانت غير صحيحة في أصلها، مضيفا أن عرشان، وفق روايته، لم يكن في جنيف ولم يلتق جمال بنعمر في أي معتقل سري.
وأكد البكاري أن هذا الجانب كان بالنسبة إليه زلة محتملة في العمل الصحافي، لا دليلا على وجود نية مسبقة لدى المهدوي لتضليل الجمهور أو خدمة ضيفه.
ولم يقتصر انتقاده على المهدوي، إذ أوضح، في استدراك أضافه إلى تدوينته، أن الملاحظة نفسها تنطبق على موقع «لكم»، الذي قال إنه نشر الوثيقة أيضا، معتبرا أنه ينبغي له تقديم اعتذار لجمال بنعمر إذا ثبت عدم صحتها.
شهادات ضحايا التعذيب محور الانتقاد الثاني
أما النقطة الثانية، فتتعلق بما اعتبره البكاري عدم استحضار المهدوي، خلال التحضير للحوار، شهادات مكتوبة ومصورة لضحايا تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب، ونسبوا مسؤولية عنه إلى محمود عرشان.
وأوضح أن هذه الشهادات، بحسب ما أورده، تعود إلى مرحلة الستينيات والسنتين الأوليين من السبعينيات، عندما كان عرشان يشتغل في الشرطة القضائية بالدار البيضاء ثم الرباط، في سياق التعاون الذي تحدث عنه البكاري بين الشرطة القضائية وجهاز «كاب 1».
واستشهد في هذا الصدد بملفات نشرتها جريدة «النشرة»، التي كان يديرها محمد الساسي، مشيرا إلى أنها تضمنت شهادات لضحايا عاشوا تلك المرحلة، وليست مجرد روايات متداولة دون سند، وفق تأكيده.
وذكر البكاري أسماء إبراهيم الحلاوي، وأحمد جوهر المعروف بأباعقيل، ومهري، والوديع الآسفي، ومومن الديوري، وأبراهام السرفاتي، باعتبارهم من بين الذين استحضر شهاداتهم في سياق حديثه عن الانتهاكات المنسوبة إلى عرشان.
كما أشار إلى ما أورده السرفاتي بشأن تعرض أخته إيفلين للتعذيب، قائلا إنها توفيت بعد خروجها من المعتقل بشهرين، وكانت، بحسب الشهادة التي استند إليها، في حالة نفسية منهارة.
وتبقى هذه المعطيات والاتهامات، كما عرضها البكاري، منسوبة إلى أصحاب الشهادات والروايات التي استحضرها، ولا تشكل في حد ذاتها حكما قضائيا بشأن المسؤولية الفردية عن الانتهاكات.
لماذا ركز عرشان على مرحلة السبعينيات؟
وفي قراءته لطريقة إدارة الحوار، اعتبر البكاري أن عرشان كان يوجه النقاش نحو مرحلة اعتقال نشطاء اليسار الجديد خلال السبعينيات، في حين أن الشهادات التي استند إليها البكاري، كما قال، تتعلق أساسا بمرحلة سابقة تمتد من بداية الستينيات إلى بداية السبعينيات.
وأضاف أنه لا يجد، وفق اطلاعه، إشارات إلى عرشان في شهادات ضحايا ينتمون إلى اليسار الجديد خلال السبعينيات، وهو ما جعله يعتبر أن التركيز على الفترة التي اشتغل فيها عرشان بمكناس بعد سنة 1974 أبعد النقاش عن المرحلة التي تتناولها الشهادات التي تحدث عنها.
واستدرك البكاري بأنه لا يستبعد وجود شهادات أخرى لمعتقلين مروا بمكناس بعد سنة 1974، لكنه أوضح أنه لم يطلع عليها.
وبناء على ذلك، أكد أن انتقاده للمهدوي كان مرتبطا، في جوهره، بما اعتبره ضرورة التحقق من الوثائق واستحضار الأرشيف والشهادات التاريخية ذات الصلة، حتى لا يظل الحوار محكوما فقط بالرواية التي يقدمها الضيف.
اعتذار جديد وتأكيد احترام المهدوي
وفي ختام تدوينته، جدد البكاري اعتذاره للمهدوي إذا كان قد ورد في كلامه ما اعتبره إساءة شخصية، مؤكدا تقديره له، ومعبرا عن تفهمه للظروف المهنية الصعبة التي يمر بها، كما تمنى الشفاء العاجل لزوجته.
وبذلك، سعى البكاري إلى الفصل بين انتقاده لمضمون الحوار وطريقة الإعداد له، وبين موقفه من المهدوي باعتباره صحافيا يمتلك تجربة وقدرة على التأثير في الرأي العام.
ويعيد هذا السجال طرح أسئلة تتجاوز الخلاف بين الطرفين، وتتعلق بمسؤولية الصحافي عند استضافة شخصيات ارتبطت أسماؤها بملفات حقوقية مثيرة للجدل، وحدود التحقق من الوثائق المتداولة، وأهمية مواجهة الروايات الشخصية بشهادات الضحايا والأرشيف التاريخي.
كما يبرز النقاش التوتر القائم بين حق الصحافي في اختيار ضيوفه وإدارة حواراته، وحق الجمهور في الاطلاع على المعطيات الموثقة والسياقات التاريخية الكاملة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بذاكرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب.





