اقتصادالرئسية

العوفي يعرّي تناقضات الحكومة في دعم الأسعار

بين منطق العرض والطلب وواقع الاحتكار، يضع الباحث الاقتصادي نور الدين العوفي الحكومة أمام مسؤوليتها في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، محذراً من اختزال حرية السوق في إطلاق يد الأرباح، على حساب الحق في العيش الكريم.

السوق لا يصنع أسعاراً عادلة في ظل الاحتكار

يرى الباحث الاقتصادي نور الدين العوفي أن تحديد الأسعار، من الناحية النظرية، يخضع لقانون العرض والطلب، حيث تتراجع الأسعار عندما ينصرف المستهلكون عن اقتناء سلعة معينة، وترتفع عندما يزداد الإقبال عليها. لكن هذا المنطق، الذي يفترض وجود منافسة حقيقية، لا يعكس بالضرورة واقع الأسواق، خصوصاً عندما تتدخل ممارسات الاحتكار وتخزين السلع والمضاربة في توجيه الأسعار.

وفي هذا السياق، يستحضر العوفي المقولة المنسوبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، حين طُلب منه التدخل لتحديد أسعار اللحوم بعد ارتفاعها، فأجاب: «أرخصوه»، في إشارة إلى أن انخفاض الأسعار يمكن أن يتحقق عبر آليات السوق عندما تكون المنافسة متاحة. أما حين تختل هذه الشروط، ويصبح بعض الفاعلين قادرين على التحكم في العرض، فإن تدخل الدولة من خلال التسعير وتحديد سقف الأسعار والأرباح يصبح ضرورة لحماية المستهلك.

الأسعار والأجور وجهان لمعركة القدرة على العيش

ويؤكد العوفي أن النقاش حول الأسعار لا يمكن فصله عن مستوى الأجور، لأن القضية في جوهرها تتعلق بقدرة المواطنين على تأمين شروط الحياة الكريمة. فليست العبرة فقط بما تعرضه الأسواق من سلع، وإنما أيضاً بما تتيحه دخول الأسر من قدرة فعلية على اقتنائها.

ومن هذا المنطلق، تصبح الدولة مطالبة بالتدخل كلما اختل التوازن بين كلفة المعيشة ومستوى المداخيل، بدل الاكتفاء بمراقبة المؤشرات الاقتصادية أو التعويل على آليات السوق وحدها.

دعم حكومي يتحول إلى ريع وأرباح إضافية

وفي معرض انتقاده للسياسة الحكومية، يتوقف العوفي عند الدعم الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي، الذي تقول الحكومة إنه يستهدف الحد من ارتفاع تكاليف نقل السلع، وبالتالي المساهمة في خفض أسعار المواد الاستهلاكية.

غير أن الأثر المنتظر من هذا الدعم لا يظهر، بحسبه، في الأسعار التي يواجهها المواطنون، ولا ينعكس إيجاباً على كلفة المعيشة التي تواصل إثقال كاهل الأسر.

ويشير إلى أن الحكومة تبرر عدم اللجوء إلى التسعير وتسقيف الأرباح بتعارض ذلك مع مبدأ حرية الأسعار والمنافسة، كما تنتقد الدعم الشامل باعتباره آلية يستفيد منها أصحاب الدخول المرتفعة أكثر من الفئات الهشة. لكنها، في المقابل، تعتمد دعماً مباشراً موجهاً إلى فئات من مهنيي النقل، رغم ما يحيط به من اختلالات.

ويحذر العوفي من أن هذا الدعم، في غياب آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة، قد يتحول إلى مصدر إضافي للريع لفائدة الوسطاء والوكلاء وأصحاب المأذونيات والمقاولات الكبرى، قبل أن ينتهي إلى توسيع هوامش أرباحهم، دون ضمان انتقال أثره إلى المستهلك النهائي، خصوصاً في ظل استمرار ممارسات التدليس والتسعير غير المنضبط.

حرية السوق لا تعني التضحية بالحق في العيش الكريم

ويخلص الباحث الاقتصادي إلى أن الحكومة مطالبة بإعادة النظر في انحيازها إلى مفهوم ضيق لحرية الأسعار، لأن ترك السوق دون ضوابط حقيقية قد يجعل هذه الحرية، في واقع الممارسة، امتيازاً لأصحاب القوة الاقتصادية والقدرة على التحكم في الأسعار.

ويوجه العوفي رسالة إلى الحكومة مفادها أن حماية آليات السوق لا ينبغي أن تتحول إلى تبرير للأرباح المفرطة، ولا إلى ذريعة للتخلي عن مسؤوليتها الاجتماعية.

فالأولوية، في نهاية المطاف، ليست الدفاع عن حرية الأسعار بمعزل عن نتائجها الاجتماعية، وإنما ضمان التوازن بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين وحقوق المواطنين، والانتصار للسلم الاجتماعي باعتباره مرتبطاً، قبل كل شيء، بحق الجميع في حياة كريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى