الصحافي التونسي بولحية يكتب من‭ ‬خرب‮»‬‭ ‬الفار‮»‬‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬عطل البناء المغاربي؟

0

نزار بولحية: كاتب وصحافي من تونس

في غمرة الشحن والاستنفار الشديد الذي أعقب شعوره بـ “الظلم الرياضي” الذي لحق فريقه، خرج رئيس الوداد المغربي ليقول في تصريح إعلامي حاد، إن ما حصل للوداد قبل أيام في تونس هو»حرام ومنكر»، لكن بعيدا عن تفاصيل واقعة الظلم تلك حق لآخرين أن يتساءلوا إن كان هناك من بقي يشك بعد كل ما جرى في المغرب الكبير على مدى عقود من جفاء وبرود وانسداد تام للتواصل والحوار بين الأشقاء، في أن هناك ما هو أشنع وأكبر من الحرام والمنكر، الذي قصده المسؤول المغربي، وهو حرام ومنكر الفرقة المغاربية المستمرة؟ لقد كان يكفي لشاشة عرض صغيرة تسمى تقنية «الفار» وتستخدم في العادة لمساعدة الحكام على أخذ القرارات الصحيحة في المباريات، أن تعكس جانبا من صورة مغرب كبير، بات ينهار في عقول وأفئدة أبنائه يوما بعد يوم.

واستطاعت تلك الشاشة المعطوبة أن تكشف سوءات وعيوبا لم تفلح المساحيق التجميلية في مداراتها وإخفائها، ولكنها زادت بالمقابل من اتساع الشرخ بين بلدين مغاربيين يشتركان في اللغة والحضارة والدين، وينتميان لمجال حضاري واحد، ولعلها عمقت أيضا الجفوة وقلة الثقة في المشروع المغاربي ككل، نعم لقد فعلت ذلك وأكثر، فبدلا من أن تكون مباراة كرة القدم التي أقيمت ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان بين فريقين من المغرب وتونس للمنافسة على بطولة إفريقيا، فرصة جديدة لمزيد توطيد عرى التقارب والأخوة بينهما، فتح الإعلان عن عطب مفاجئ حصل لتلك الآلة التي نصبت على ميدان المباراة، أبواب الاتهامات والاتهامات المضادة بين الطرفين، واشعل نار خلاف لم يعد مقتصرا على الكرة فحسب، ولم يكن المشكل في احتجاج الفريق المغربي لشعوره بأنه تعرض للغبن، وكان ضحية مظلمة تحكيمية حرمته من الفوز بالكأس، ومنحتها في المقابل لمنافسه على طبق، لأن ذلك كان أمرا طبيعيا ومشروعا، بل حتى مألوفا في مثل تلك المنافسات، بل كانت المعضلة الأخطر هي الأبعاد الخطيرة التي أخذتها الأحداث، التي رافقت ذلك اللقاء بعيدا عن حلبة التنافس الرياضي الصرف، والتي ستبقى آثارها الاجتماعية والنفسية في ذاكرة ووجدان الاجيال الشابة بوجه خاص، وستؤثر بلاشك على تصورهم مستقبلا لفكرة الحلم المغاربي المشترك.

فمن من بين أولئك الشبان المغاربة الذين ظهروا في تلك الفيديوهات، التي انتشرت بقوة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في المغرب وهم يتحدثون عن الاستفزازات والمعاملة السيئة والمهينة، وحتى العنف الذي تعرضوا له في تونس، ويرفعون أوراقا نقدية في إشارة إلى رشوة التونسيين لحكم المباراة ليفوزوا بالكأس، سيقتنع بأنه لن يكون من العدل والإنصاف أن يوضع شعب بأكمله في سلة واحدة، ويُتهم بلد شقيق عن بكرة أبيه بأنه بات أرضا للرشوة والفساد، والمكر والخبث، وتلصق به كل تلك الأوصاف المهينة التي حاول البعض منهم في لحظة نزق وغضب أن ينسبها إليه؟ ومن منهم سيدرك أن وصوله حد عقد مقارنة بين التعطيل المتعمد لكاميرات المراقبة في القنصلية السعودية بإسطنبول قبيل جريمة اغتيال خاشقجي وتعطل أو حتى تعمد تعطيل تقنية «الفار» في ملعب رادس خلال تلك المبارة، لم يكن إلا تجنيا وظلما ومبالغة لا تستقيم بأي حال؟ وقد يقول البعض مخففا من وطأة ما جرى بأن كل ذلك ليس سوى جعجعة فارغة، وأنه ليس هناك من داع أصلا للقلق والتهويل، فالأمر سينتهي على سلام، وسيمضي عاجلا أم آجلا في حال سبيله، ولن يبقى منه بالأخير ما قد يعكر صفو العلاقات الأخوية الثابتة بين الشعبين، أو يدخل البلدين، لا سمح الله، في نزاع أو أزمة وأنه سيكون فقط سحابة صيف عابرة ستمر مثلما مرت في السابق سحب كثيرة في سماء العلاقات التونسية المغربية، والعربية العربية بوجه عام، من دون أن تترك أثرا واضحا، أو جليا، أو تشكل منعرجا حقيقيا وحاسما في مسار الروابط العميقة، التي تشد بعضهم لبعض.

ولكن ألن يكون التبسيط وغض الطرف وتجاهل المخلفات البعيدة والمتوسطة المدى، لكل تلك الضجة التي أثارتها مباراة لكرة القدم انجرافا خاطئا وراء استسهال غير مأمون العواقب؟ أليس ما حصل هو ناقوس إنذار جديد يدق بقوة لينبه إلى أن الامور لا تجري حتى على المستوى الشعبي بالشكل والنحو الذي يريده ويطمح له دعاة التقارب والوحدة المغاربية المنشودة؟.

من الواضح أن دفن الرأس في التراب واعتبار الأحداث التي حصلت محدودة أو عابرة لن يكون مجديا بالمرة. ولعل المؤسف في القصة كلها هو أن تقييم تلك الموجة الانفعالية التي سببتها مباراة كرة يظل غائبا ومفقودا. فلا الإعلاميون ولا قادة الرأي ولا علماء الاجتماع أو النفس أو حتى المختصون في علم الاجتماع السياسي ظهروا ألان ليقدموا للناس بحثا أو دراسة أو خطابا هادئا ورصينا، يطمئنهم إلى أن كل تلك التوترات والردود التي حصلت هي بالفعل أشياء بسيطة وثانوية وعديمة الأثر، أو يقولوا لهم على العكس إنها مؤشر جدي وخطير، وإن أثرها سيكون بالغا وعميقا.

ولا المسؤولون الرسميون في الجانبين أيضا حاولوا أن يطوقوا ما جرى ويخففوا من وطأته ويضعوه في نطاق محدود لا يذهب به لمدى أبعد من مباراة كرة قدم. والسبب بسيط فمعظم هؤلاء لا ينظرون إلا بعين الوطنية المحدودة، التي لا يرون بها إلا المغربي أو التونسي أو الجزائري أو الليبي أو الموريتاني، في ثيابه القطرية الضيقة. وتلك العين هي واحدة من مصائب المغاربيين، التي جعلتهم يتقاتلون ويتصارعون على أشياء ثانوية وهامشية، كإحراز كأس أو بطولة أو هدف في مرمى كرة قدم، أو التنافس على أحقية بلد دون الاخر بطبق أو أكلة شعبية، أو التسابق المحموم على تكديس ترسانة من الأسلحة التي لن تستخدم يوما إلا في التقاتل في ما بينهم. لقد غيبوا الأصل تماما، واختصروا كل القضايا في تلك الصراعات والمنافسات الحامية الوطيس، ولم يعد أحد منهم يجد الفرصة أو الوقت ليبحث عن منبع الداء، أو يفتش عن المتسبب في تعطل وركود المغرب الكبير وتوسع الهوة الشعبية قبل الرسمية، بين بلدانه، أو ليسأل مثلا عن مستقبل ومصير اتحاد مغاربي لم يبق منه إلا القشرة الخارجية والهيكل الخاوي.

وربما كانت آخر الفضائح والمظالم التي نسيها هؤلاء في خضم انشغالهم بالمظلمة الكروية الأخيرة، هي محنة بلد مغاربي تكالبت عليه قوى إقليمية ودولية لنهب ثرواته وتشريد أهله. فلم نسمع بمن خرج في أي عاصمة من العواصم الأربع، ليقيم الدنيا ويقعدها لاستمرار قصف طرابلس ايام الشهر المبارك، ولا بمن رق قلبه لحال الليبيين الذين باتوا يعيشون ظروفا صعبة، رغم وجودهم في بلد غني بالثروات، فرفع صوته عاليا لمأساتهم. ولعل الأمر يكون مفهوما لحد ما، فوجود أمثالهم يكاد يكون منكرا وحراما آخر من المنكرات والمحرمات العديدة التي لا يعرف أحد حتى الان لا كيف ولا متى انتشرت في هذا الجزء من العالم؟.

المصدر: القدس العربي

اترك رد