
السنة الأمازيغية 2976…من مطلب ثقافي إلى عيد وطني
احتفال بالهوية… و14 يناير يدخل التاريخ كعطلة وطنية مدفوعة الأجر
يحتفل المغرب، هذه السنة، بالسنة الأمازيغية 2976 في سياق استثنائي، بعدما أصبح 14 يناير يوم عطلة وطنية مدفوعة الأجر، في سابقة تاريخية تعكس تحولا في مسار الاعتراف الرسمي بالمكون الأمازيغي كرافد أصيل من روافد الهوية الوطنية.
ويأتي هذا الاحتفاء في ظل دينامية ثقافية ومؤسساتية، تعزز مكانة الأمازيغية لغة وثقافة في الفضاء العام، انسجاما مع مقتضيات دستور 2011.
“ينّاير”… تقويم الذاكرة والأرض
تعود السنة الأمازيغية، المعروفة بـ“ينّاير”، إلى تقويم فلاحي ضارب في عمق التاريخ، مرتبط بدورة الطبيعة وبدايات الموسم الزراعي، ويُرجعها باحثون إلى أكثر من 2900 سنة.
ولا يمثل ينّاير مجرد انتقال زمني من سنة إلى أخرى، بل يحمل أبعادا رمزية متصلة بالخصب، والاستمرارية، والتفاؤل بعام جديد، وهي معانٍ ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية، خاصة في القرى والمناطق ذات الامتداد الأمازيغي.
ليلة 14 يناير… ذاكرة جماعية بطابع احتفالي
تكتسي ليلة 14 يناير رمزية خاصة، باعتبارها ذروة طقوس الاحتفال بالسنة الأمازيغية في عدد من المناطق المغربية. ففي هذه الليلة، تجتمع الأسر حول أطباق تقليدية مرتبطة بالمناسبة، مثل أكلة العصيدة واملو “تاكلة” أوالكسكس بسبع خضر أو أطباق الحبوب، في طقس جماعي يستحضر قيم المشاركة والتآزر، ويرتبط رمزيا بالأرض وبدايات عام فلاحي جديد.
وتحمل ليلة 14 يناير، هذه السنة، بعدا إضافيا، إذ تتقاطع الطقوس العائلية مع الاعتراف الرسمي، لتتحول من ممارسة ثقافية محلية إلى موعد وطني جامع، يعكس مصالحة مؤسساتية مع جزء من الذاكرة التاريخية للمغاربة.
من مطلب ثقافي إلى عطلة رسمية
ظل مطلب جعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مدفوعة الأجر حاضرا لسنوات في خطاب الفاعلين الثقافيين والحقوقيين، باعتباره خطوة أساسية لترجمة الطابع الرسمي للأمازيغية من النص الدستوري إلى الممارسة الفعلية. ومع إقرار هذا اليوم ضمن لائحة العطل الرسمية، دخل المغرب مرحلة جديدة من الاعتراف الرمزي والمؤسساتي، تضع السنة الأمازيغية في مصاف المناسبات الوطنية الكبرى.
ويرى متتبعون أن هذه الخطوة لا تكتسي فقط بعدا ثقافيا، بل تحمل دلالات سياسية واجتماعية، تؤكد خيار الدولة في تثمين التعدد اللغوي والثقافي، وتعزيز الانسجام المجتمعي على قاعدة التنوع لا الإقصاء.
احتفالات رسمية وشعبية عبر ربوع المملكة
تميزت احتفالات هذه السنة بتنظيم تظاهرات ثقافية وفنية بعدد من المدن والقرى، شملت عروضًا فنية أمازيغية، وندوات فكرية، ومعارض للصناعة التقليدية، إلى جانب مبادرات محلية أعادت الاعتبار للتراث الشفهي واللباس التقليدي والأغنية الأمازيغية. كما خصصت وسائل الإعلام العمومية والخاصة تغطيات موسعة للمناسبة، في محاولة لنقل الاحتفال من الهامش إلى صلب المشهد الثقافي الوطني.
اعتراف رمزي… وتحديات التنزيل
ورغم الترحيب الواسع بجعل 14 يناير عطلة وطنية مدفوعة الأجر، يرى فاعلون أن التحدي الحقيقي يظل في ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات عمومية ملموسة، خاصة في مجالات التعليم، والإعلام، والإدارة، بما يضمن حضورا فعليا ومستداما للأمازيغية في الحياة اليومية للمواطنين، بعيدا عن الطابع الاحتفالي الظرفي.
موعد سنوي للهوية المشتركة
بهذا المعنى، لا يمثل الاحتفال بالسنة الأمازيغية 2976 مجرد طقس ثقافي، بل يشكل محطة رمزية في مسار بناء مغرب التعدد، حيث تتحول ليلة 14 يناير ويومها إلى فضاء للاعتراف المشترك بالذاكرة، وتأكيد أن الهوية المغربية نُسجت عبر التاريخ من روافد متعددة، شكلت، مجتمعة، ما هو مغرب اليوم.





