تشير أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة “سونيرجيا” إلى تحول ملحوظ في علاقة المغاربة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد هذا المجال مجرد عنصر تكنولوجي ثانوي او موضوعا للنقاش النخبوي، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للعديد منهم..
فالمغاربة باتوا يتعاملون مع هذه الأدوات ليس فقط في سياق العمل أو التعليم، بل أيضا في مجالات الترفيه والتواصل الاجتماعي وإدارة الوقت والمهام اليومية، ما يعكس مستوى متقدمًا من الاندماج الرقمي.. حيث يرى 86 في المائة من المستخدمين أن الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة وضرورية، فيما يقر 19 في المائة بأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنه إطلاقا.
قفزة رقمية تعكس تسارع التحول
تكشف الأرقام المسجلة خلال الفترة الأخيرة حسب استطلاع “سونيرجيا” عن تسارع لافت في وتيرة الاعتماد على الرقمنة، فقد ارتفعت نسبة المغاربة الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي من 6٪ سنة 2023 إلى 33٪ سنة 2026، أي بزيادة قدرها 27 نقطة مئوية في ثلاث سنوات فقط، و يتقاطع هذا التطور مع معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، و التي تشير إلى أن نسبة الولوج إلى الإنترنت تجاوزت 88٪، مع تسجيل أكثر من 34 مليون اشتراك في الهاتف المحمول.،
كل هذه المؤشرات تبرز أن البنية الرقمية الأساسية أصبحت عاملا حاسما في تسريع انتشار التطبيقات الذكية.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه يكمن؛ هل فعلا هذه البنية التحتية تخدم التنمية، أم أنها مجرد بطاقة إحصائية لتجميل الأداء الحكومي في ظل قلة و محدودية البرامج الرسمية للتكوين الرقمي، و غياب تشريع واضح يحمي الحقوق الرقمية للمواطنين ؟
الشباب والنساء في قلب الدينامية الجديدة
تُظهر نتائج الاستطلاع أن الفئة العمرية ما بين 18 و24 سنة تتصدر قائمة المستخدمين، إلى جانب حضور لافت للنساء، ما ينسجم مع أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي تفيد بأن الشباب يشكلون أزيد من 30٪ من ساكنة المغرب، وأنهم الأكثر انخراطا في الاستعمالات الرقمية الحديثة..
كما أن تزايد إقبال النساء على أدوات الذكاء الاصطناعي يعكس تحولا في أنماط العمل والتعلم، خاصة في مجالات التعليم عن بعد، والتجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، حيث توفر هذه الأدوات فرصا لتجاوز الإكراهات الاجتماعية والمجالية.. لكن تبقى السياسات الرسمية متأخرة في توفير حماية اجتماعية أو فرص تكيف مهنية مع هذه الثورة.
من المركز إلى الهامش: اتساع رقعة الاستخدام
في ذات السياق، تكشف معطيات “سونيرجيا” و على خلاف الاعتقاد السائد بأن الابتكار التكنولوجي يظل حبيس المدن الكبرى، أن القرويين وسكان الشمال والشرق من بين أكثر الفئات استخداما للذكاء الاصطناعي..
و يعكس هذا الامتداد الجغرافي نتائجَ برامج رسمية لتوسيع التغطية الرقمية، إذ تشير بيانات وزارة الانتقال الرقمي إلى أن نسبة الربط بالإنترنت في الوسط القروي قاربت 70 في المائة، كما ساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الفلاحة، والدعم المدرسي، والخدمات الإدارية في جعل هذه التكنولوجيا أقرب إلى الاحتياجات اليومية للمواطنين.
فرص واعدة وأسئلة مؤجلة
رغم ما يحمله هذا التحول من آفاق اقتصادية وتنموية، خصوصا مع توقعات رسمية بخلق فرص شغل جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، إلا أن انتشار الذكاء الاصطناعي يثير أيضا أسئلة حول حماية المعطيات الشخصية ومستقبل بعض المهن.. وبين وعي مجتمعي متزايد وحاجة ملحة إلى تأطير تشريعي واضح، يبدو أن الرهان الحقيقي للمغرب لم يعد في تبني الذكاء الاصطناعي، بل في توجيه استخدامه بما يخدم التنمية ويقلص الفوارق بدل تعميقها.