الرئسيةالكتابسياسة

بووانو ودعم الماشية تحت مجهر الانتقاد

في سياق يتسم بتصاعد الجدل حول تدبير قطاع الماشية بالمغرب، أصدر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، كتابا جديدا بعنوان “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد”، سعى من خلاله إلى تفكيك واحدة من أبرز القضايا التي كشفت، بحسب قراءته، جانبا من الاختلالات البنيوية التي باتت تطبع تدبير الشأن العام بالمغرب.

الكتاب لا يتوقف عند أزمة الماشية أو سياسات الدعم والاستيراد فقط

فالكتاب -المكون من 226 صفحة والذي يتضمن أرقاما صادمة بالدلائل، ويؤكد أن هذه حكومة الفراقشية وتضارب المصالح- لا يتوقف عند أزمة الماشية أو سياسات الدعم والاستيراد فقط، بل يتجاوزها لطرح سؤال أعمق يتعلق بما يسميه كثير من المنتقدين بـ”زواج السلطة والمال”، وهو العنوان العريض الذي يفسر، في نظرهم، العديد من القرارات والسياسات العمومية التي أفرزتها الولاية التشريعية الحالية.

وهي ولاية قدمت، مرة بعد أخرى، مؤشرات قوية على أن المؤسسة التشريعية لم تعد تؤدي دورها الطبيعي كفضاء للدفاع عن مصالح المواطنين ومراقبة العمل الحكومي، بقدر ما تحولت إلى آلية لحماية الامتيازات وتحصين مصالح الفئات النافذة المتحكمة في القرار الاقتصادي والسياسي.

ومن هذا المنطلق، يقدم بووانو مؤلفه باعتباره محاولة لتشريح المسار الذي قاد إلى تراجع القطيع الوطني بشكل غير مسبوق، رغم المليارات التي رُصدت تحت عنوان دعم القطاع.

الانتقال من منطق دعم الإنتاج الوطني وحماية المربين إلى نموذج يقوم على تشجيع الاستيراد

ويستعرض عبر ثمانية محاور مدعمة بالوثائق والإحصائيات ما يعتبره انتقالا من منطق دعم الإنتاج الوطني وحماية المربين إلى نموذج يقوم على تشجيع الاستيراد وتوفير امتيازات استثنائية لفائدة عدد محدود من المستوردين.

ويخصص الكتاب حيزا مهما لتحليل ما يسميه “اقتصاد الريع” داخل القطاع، حيث يرى أن الإعفاءات الضريبية والدعم المباشر الموجه لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء لم تنعكس على الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك، بل تحولت إلى أرباح ضخمة استفادت منها شركات محدودة، بعضها لا يمتلك أي خبرة سابقة في المجال.

كما يتوقف المؤلف عند ما يصفه بالتناقضات التي طبعت الخطاب الرسمي بشأن وضعية القطيع الوطني، مستعرضا الانتقال السريع من الحديث عن وفرة الإنتاج والاستعداد الجيد للمواسم الفلاحية إلى الاعتراف بوجود أزمة حادة ونقص كبير في أعداد الماشية، وهو ما اعتبره دليلا على غياب رؤية واضحة وتشخيص دقيق للقطاع.

تحويل أزمة إنتاجية إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية

ومن أكثر المفاهيم إثارة للجدل التي يطرحها الكتاب مصطلح “فراقشية القرار الحكومي”، في إشارة إلى جهات نافذة، يقول إنها استثمرت ظرفية الجفاف والأزمة لتوجيه السياسات العمومية نحو خدمة مصالح المستوردين بدل دعم المربين المحليين، ما أدى إلى تحويل أزمة إنتاجية إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية.

ولا يكتفي بووانو بتشخيص الأزمة، بل يوجه انتقادات حادة للأغلبية الحكومية والبرلمانية، متهما إياها بإجهاض المبادرات الرامية إلى الكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الدعم العمومي، وعلى رأسها مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وتعويضها بآليات رقابية محدودة الصلاحيات لا تمكن من الوصول إلى حقيقة ما جرى.

ويخلص الكتاب إلى أن إصلاح القطاع يمر عبر القطع مع منطق الريع والاحتكار، وإرساء قواعد الشفافية في تدبير الدعم العمومي، مع إعادة توجيه الموارد نحو دعم الإنتاج الوطني والمربين الصغار، وجعل الاستيراد مجرد آلية استثنائية لتغطية الخصاص الظرفي، بدل أن يتحول إلى مدخل جديد لتراكم الامتيازات على حساب الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى