الرئسيةسياسة

شباب بلا أفق.. وطن أمام سؤال المستقبل

في مناسبة اليوم الدولي للشباب، الذي يصادف 12 غشت من كل سنة، أعادت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ملف الشباب إلى واجهة النقاش العمومي، من زاوية تتجاوز الخطاب الاحتفالي حول الطاقات الشابة، لتضع السياسات العمومية أمام سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا أُنجز فعليا لتحويل الكتلة الديمغرافية الشابة إلى قوة منتجة ومندمجة، بدل أن تتحول أوضاعها الهشة إلى مصدر للإحباط وفقدان الثقة؟

العصبة دعت إلى جعل التشغيل اللائق أولوية فعلية

العصبة دعت إلى جعل التشغيل اللائق أولوية فعلية، وربط سياسات الاستثمار والتكوين والتشغيل بأهداف دقيقة وقابلة للقياس في مجال خلق فرص العمل، مع ضمان العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.

وترى أن الثروة الديمغرافية التي يمثلها الشباب لا يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية إلا عبر سياسات عمومية مندمجة تضمن تعليماً جيداً، وشغلاً لائقاً، وحماية اجتماعية، وإمكانات حقيقية للمشاركة السياسية والمدنية والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن الواقع، بحسب العصبة، يكشف استمرار اختلالات عميقة في انتقال الشباب من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل.

فصعوبة الولوج إلى العمل لا تعني فقط البطالة في بعدها الاقتصادي، وإنما تؤخر الاستقلال الاجتماعي، وتضعف القدرة على تكوين أسرة، وتعمق الإحساس بأن المسار الطبيعي من الدراسة إلى العمل والاستقرار لم يعد مضموناً.

حدة الإشكال بالنسبة إلى “شباب NEET”

وتزداد حدة الإشكال بالنسبة إلى الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والتشغيل، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للتهميش وفقدان الصلة بالمؤسسات وسوق العمل.

وتضع العصبة إصبعها على أحد أكثر مكامن الخلل حساسية، حين تتحدث عن التباعد المتزايد بين جودة التعليم وفرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.

فالمشكلة، وفق هذا الطرح، لا تكمن فقط في ضعف قدرة منظومة التعليم والتكوين على توفير الكفايات المطلوبة، بل أيضاً في محدودية قدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين، فضلا عن استمرار التفاوت في الوصول إلى الفرص.

وهنا تتحول أزمة التشغيل إلى أزمة في الوظيفة الاجتماعية للتعليم نفسه، بعدما يصبح الحصول على الشهادة غير كافٍ لضمان الانتقال إلى الاستقلال الاقتصادي.

ومن هذا المنظور، ترى العصبة أن استمرار معالجة هذه الإشكالات من خلال تدخلات قطاعية أو ظرفية لم يعد كافياً، وأن المطلوب هو سياسة شبابية متكاملة، تقوم على أهداف واضحة وقابلة للتقييم، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمشكلة لم تعد في تشخيص الاختلالات بقدر ما أصبحت في قياس أثر السياسات المتخذة وقدرتها الفعلية على تغيير واقع الشباب.

الهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية

وتكتسب هذه الخلاصات دلالة أكبر في ضوء الأحداث التي شهدتها الفنيدق ومحيط معبر باب سبتة المحتلة، وابني أنصار ومحيط مليلية المحتلة، خلال أواخر يوليوز وبداية غشت 2026.

فمحاولات العبور الجماعي، وما ظهر خلالها من حضور للشباب والقاصرين والنساء، كشفت أن الهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية أو الحدودية وحدها، لأنها تتقاطع مع عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، ومع مستوى الثقة الذي يشعر به الفرد في قدرته على بناء مستقبل أفضل داخل بلده.

ولعل أخطر ما تستوقف عنده العصبة هو سرعة تفاعل أعداد من المواطنين مع أخبار وشائعات تتحدث عن إمكانية العبور إلى سبتة، واستعداد بعضهم لتحمل مخاطر جسيمة أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى.

فحين تصبح شائعة عن فرصة للهجرة كافية لتحريك أعداد كبيرة من الشباب، فإن المسألة تتجاوز مجرد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي أو قوة الإشاعة، لتطرح سؤالاً أعمق حول حجم الفجوة بين تطلعات الشباب والفرص المتاحة أمامهم.

الرسالة التي تضعها العصبة أمام الدولة والمجتمع تتجاوز المطالبة بمزيد من فرص الشغل

الرسالة التي تضعها العصبة أمام الدولة والمجتمع تتجاوز المطالبة بمزيد من فرص الشغل إلى إعادة النظر في النموذج الذي يربط التعليم بالتكوين ثم بالإدماج والاستقرار.

فالشباب لا يحتاج فقط إلى خطاب عن المستقبل، بل إلى مستقبل يمكن لمسه في التعليم والعمل والكرامة والعدالة المجالية.

وما جرى في محيط سبتة ومليلية ينبغي ألا يُقرأ فقط باعتباره تحديا أمنيا، لأن تحويل كل أزمة اجتماعية إلى قضية حدودية قد يؤجل المشكلة ولا يعالج أسبابها.

الحقيقة الأكثر إزعاجا هي أن الشاب الذي لا يجد مسارا واضحا داخل وطنه قد يصبح أكثر استعداداً للمغامرة خارجه، ولذلك فإن معركة التشغيل ليست مجرد معركة اقتصادية، بل هي أيضا معركة ثقة، واستقرار اجتماعي، ومستقبل للبلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى