الرئسيةمجتمع

30 ألف طن من القمح الروسي تصل إلى المغرب

جيوسياسية الحبوب: المغرب يُعيد هندسة أمنه الغذائي

عاد المغرب إلى سوق القمح الروسي بشحنة تقدر بنحو 30 ألف طن وصلت خلال الفترة الممتدة بين فاتح و10 غشت الجاري، في خطوة تبدو تجارية في ظاهرها، لكنها تكشف تحولاً أوسع في طريقة تدبير المملكة لأحد أكثر ملفاتها حساسية: أمن الإمدادات الغذائية.

ووفق بيانات رابطة الحبوب الروسية، التي نقلتها وكالة «إنترفاكس»، عاد المغرب إلى قائمة مستوردي القمح الروسي بعدما غاب عنها خلال الفترة نفسها من الموسم السابق، إلى جانب إندونيسيا واليمن وفنزويلا، وتمثل الشحنة المغربية نحو 3.7% من إجمالي صادرات القمح الروسي خلال الأيام العشرة الأولى من غشت، والبالغة 801.5 ألف طن، وبسعر استرشادي قدره “224 دولاراً للطن” في ميناء نوفوروسيسك، تبلغ قيمتها حوالي 6.7 ملايين دولار وفق أحدث معطيات USDA،، قبل احتساب النقل والتأمين والمصاريف التجارية.

روسيا تدخل معادلة التنويع

تكمن أهمية الصفقة في سياقها أكثر من حجمها، فقد أصبح القمح الروسي حاضراً بشكل متزايد في السوق المغربية، في وقت تتجه فيه المملكة إلى توسيع دائرة الموردين وعدم الارتهان لمصدر واحد، وتظهر معطيات وزارة الزراعة الأميركية أن واردات القمح الروسي بلغت نحو 1.19 مليون طن خلال موسم 2024/2025، مقابل 503 آلاف طن في الموسم السابق.

وهذا التنويع ليس ترفاً تجارياً، فالمغرب، الذي يواجه توالي سنوات الجفاف وتذبذب الإنتاج المحلي، يحتاج إلى سوق دولية واسعة يستطيع من خلالها المقارنة بين الأسعار والمواصفات ومخاطر النقل، بما يمنحه هامشاً أكبر لتأمين حاجياته وتقليص أثر الصدمات الخارجية.

من القمح إلى القدرة الشرائية

هنا يبدأ البعد الاجتماعي للقضية، فالقمح ليس سلعة عادية في المغرب؛ إنه مادة أساسية في منظومة الغذاء، وأي ارتفاع حاد في كلفته يمكن أن يضغط على ميزانية الدولة أو على تكاليف المطاحن والإنتاج، وفي النهاية على القدرة الشرائية للأسر.

ولهذا تكتسب الأسعار الدولية أهمية تتجاوز حسابات المستوردين، فكلما أمكن الحصول على القمح بشروط أكثر تنافسية، اتسع هامش الدولة لحماية استقرار سوق الخبز والدقيق.. وفي المقابل، كل صدمة في الأسعار العالمية تعني ضغطاً إضافياً على المالية العمومية وعلى الأسر الأكثر هشاشة.

موسكو.. شريك تجاري أم مخاطرة جديدة؟

لكن توسيع الاعتماد على روسيا لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها، فجزء مهم من صادرات القمح الروسي يمر عبر البحر الأسود، وهي منطقة أصبحت رهينة للتوتر العسكري بين روسيا وأوكرانيا، وقد أدى استهداف ميناء نوفوروسيسك في غشت إلى اضطراب مؤقت في بعض منشآت الحبوب، مذكراً بأن طريق الإمداد نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر للمخاطر.. لذلك، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن يكون على روسيا بقدر ما يجب أن يكون على “تعدد الخيارات”.

السيادة الغذائية تبدأ من الداخل

سياسياً، تبدو العودة إلى القمح الروسي أقرب إلى “براغماتية تجارية” منها إلى اصطفاف جيوسياسي جديد: المغرب يشتري حيث يجد السعر والجودة واستمرارية الإمداد، مع إبقاء قنواته مفتوحة مع مختلف الموردين.

لكن المعركة الحقيقية ليست في اختيار موسكو أو باريس أو أوتاوا، بل في تقليص هشاشة المنظومة نفسها، فالأمن الغذائي لا يُقاس فقط بعدد الدول التي نستورد منها، وإنما بقدرة المغرب على “رفع إنتاجيته الزراعية، وتطوير مخزونه الاستراتيجي، وترشيد المياه، وحماية الرغيف من تقلبات المناخ والأسواق والحروب”.

وشحنة الـ30 ألف طن، في النهاية، ليست سوى رقم في دفاتر التجارة؛ أما السؤال الأكبر فهو: كيف يحمي المغرب خبز مواطنيه عندما تجف الأرض وتضطرب الأسواق وتصبح الحبوب ورقة في لعبة الجغرافيا السياسية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى