الرئسيةمجتمع

الدخول المدرسي.. موسم لاستنزاف الأسر

الدخول المدرسي.. من يحمي جيوب الأسر من «جباية» التعليم؟

قبل أن يدخل التلميذ المغربي فصله خلال الاسبوع الاول من شهر شتنبر، تكون أسرته قد دخلت امتحاناً آخر لا علاقة له بالتحصيل: “امتحان القدرة على الدفع”، فالدخول المدرسي لم يعد مجرد موعد لاقتناء محفظة ودفاتر، بل تحول، بالنسبة إلى آلاف الأسر، إلى موسم جديد لاستنزاف الدخل، حيث تتسع الفاتورة كلما اتسعت لائحة المدرسة، ويضيق هامش الاختيار كلما ارتبطت المستلزمات بعلامات تجارية ومنصات محددة، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كم سيدفع الآباء؟ بل “من يحدد ما سيدفعونه، ومن يراقب؟”

الدخول 6
أرشيف

حين تصبح اللائحة المدرسية أقوى من القدرة الشرائية

في التعليم الخصوصي، الذي يستقطب أزيد من مليون و247 ألف تلميذ، أي نحو 15% من التمدرس الوطني، تبدأ المشكلة قبل الرسوم الشهرية، فالمستلزمات وحدها تكلف بين 1400 و1700 درهم للابتدائي، و1700 و2500 درهم للإعدادي، وتتجاوز 3000 درهم في الثانوي التأهيلي، وقد تبلغ 4000 درهم في بعض البعثات الأجنبية، دون احتساب التسجيل والواجبات الشهرية.

لكن الرقم الأكثر إثارة ليس حجم الفاتورة وحده، بل “ما الذي يصنعها”، كتب مستوردة من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا يتراوح ثمن الواحد منها بين 250 و600 درهم، فيما يصل كتاب CM2 في إحدى البعثات الفرنسية إلى 679 درهماً. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل كل ما تدفعه الأسرة ضرورة تربوية، أم أن جزءاً من الفاتورة تصنعه اختيارات تجارية لا تملك الأسرة إزاءها هامشاً حقيقياً للمناورة؟

دفتر بـ15 درهماً.. لماذا يصبح بـ45؟

لتصبح القصة أكثر وضوحاً عندما تدخل العلامة التجارية إلى الفصل، فبحسب مهنيين، قد تفرض بعض المؤسسات دفاتر بعلامات بعينها، مثل Oxford بسعر يصل إلى 48 درهماً، بينما يؤكد مسير مكتبة بطنجة أن مدارس ترفض دفتراً بـ15 درهماً وتفرض النوعية نفسها بعلامة أجنبية بـ45 درهماً.. ولا تتوقف المسألة عند الدفتر، فمنصات شريكة قد ترفع الفاتورة بـ300 إلى 500 درهم، فيما تعرض فضاءات كبرى باقات بين 129 و700 درهم، أما تحالف الكتبيين فيحذر من عروض رقمية تعلن تخفيضات بـ20%، ما يطرح سؤالاً بسيطاً: “أين تنتهي الخدمة التعليمية وأين تبدأ التجارة؟”

عندما تصبح الأسرة الطرف الأضعف

تصريحات مهنيين من مدن مختلفة تكشف أن الأمر ليس حالة معزولة في مكتبة واحدة، فهناك لوائح من ثلاث صفحات، وكتب فرنسية مرتفعة الثمن، ومستلزمات بعلامات محددة، وحين تكون الأسرة قد اختارت المؤسسة بالفعل، يصبح تغيير المدرسة بسبب دفتر أو كتاب خياراً مكلفاً وغير واقعي.

لهذا لا يكفي أن يقال للآباء «اختاروا الأرخص»، فالاختيار لا يكون حراً عندما تكون اللائحة مفروضة، وعندما يخشى الأب أن يؤدي رفضها إلى التأثير على تجربة ابنه الدراسية، وهنا تحديداً تظهر مسؤولية الرقابة: “ليس بمنع المدرسة من طلب أدوات معينة، وإنما بإلزامها بتبرير الضرورة، وضمان بدائل معقولة، ومنع أي تضارب محتمل في المصالح مع الموردين والمنصات.”

العمومي أرخص.. لكن الفجوة الاجتماعية أكبر

في التعليم العمومي، الذي يضم أكثر من 6 ملايين و771 ألف تلميذ، وتتجاوز أعداد المستفيدين 7 ملايين باحتساب التعليم الأولي، تتراوح كلفة الكتب واللوازم بين 400 و700 درهم، فيما تستقر المقررات الوطنية بين 25 و50 درهماً، كما خففت مؤسسات الريادة العبء عبر مجانية دفاتر الدعم والأمازيغية والأنشطة العلمية.

لكن هذا الفرق لا يطمئن بقدر ما يكشف حجم الهوة: أسرة تدفع 500 أو 700 درهم، وأخرى قد تتجاوز 3000 أو 4000 درهم، قبل أن تبدأ أصلاً في دفع كلفة التمدرس الأخرى، هكذا لا يصبح المال مجرد وسيلة لشراء الأدوات، بل عاملاً يحدد “نوع المدرسة وشروط البداية وفرص الطفل في المنافسة”.

الحكومة.. المطلوب رقابة لا بيانات

إذا كانت الدولة تريد فعلاً مدرسة للإنصاف، فالمطلوب ليس شيطنة التعليم الخصوصي، بل وضع حدود واضحة لما يمكن فرضه على الأسر، ومراقبة الأسعار والقنوات التجارية، والتحقق من حقيقة التخفيضات، ومنع تحويل الحاجة التعليمية إلى سوق مغلقة.

وفي بلد يتحدث عن تكافؤ الفرص، لا يمكن أن تكون أول خطوة نحو المدرسة هي سؤال الأب: “كم تستطيع أن تدفع؟” فحين تبدأ العدالة الاجتماعية من باب المكتبة، تكون المدرسة قد أخفقت في أول امتحان لها قبل أن يبدأ العام الدراسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى