
لا يبدو أن غياب مجلس الحكومة عن الانعقاد لأكثر من خمسة أسابيع يمكن اختزاله في عطلة صيفية أو في اقتراب موعد الانتخابات، فحين تتراكم الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية، بينما يختفي الاجتماع الأسبوعي للسلطة التنفيذية، يصبح السؤال أكبر من مجرد البحث عن موعد المجلس المقبل: هل باتت الخلافات داخل الأغلبية أقوى من قدرة الحكومة على الاجتماع؟
منذ 22 يوليوز الماضي، لم يجتمع مجلس الحكومة برئاسة عزيز أخنوش، رغم أن القانون التنظيمي المنظم لعمل الحكومة يجعل الاجتماع الأسبوعي قاعدة، ولا يفتح باب عدم الانعقاد إلا في حال وجود «مانع».
لكن الحكومة لم تكشف للرأي العام طبيعة هذا المانع، كما لم يقدم الناطق الرسمي باسمها، مصطفى بايتاس، تفسيرا لهذا الغياب المتواصل.
واللافت أن هذا الصمت يأتي في وقت لم تكن فيه البلاد تفتقر إلى الملفات التي تستدعي اجتماعا حكوميا.
أزمات تتراكم.. والحكومة غائبة
خلال الأسابيع التي غاب فيها مجلس الحكومة، عرفت البلاد تطورات ثقيلة، في مقدمتها أزمة سبتة المحتلة، التي شهدت دخول عشرات الآلاف من المهاجرين، قبل عودة أغلبيتهم، وما رافق ذلك من وفيات وأزمة مرتبطة بجثامين الضحايا، فضلا عن عودة قضية سبتة ومليلية والجزر المغربية إلى واجهة النقاش السياسي.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند هذا الحد، إذ شهد 15 غشت محاولة جديدة للهجرة الجماعية، استدعت تعبئة أمنية واسعة، في وقت كان يفترض فيه أن تكون الحكومة مجتمعة لتقييم الوضع والرد على تداعياته.
لكن المجلس ظل غائبا.
وهنا تحديدا يصبح الصمت الحكومي أكثر إثارة للأسئلة.
العطلة.. الحجة التي لا تصمد؟
قد يكون من السهل تفسير غياب المجلس خلال فترة العطلة الصيفية، لكن هذه الفرضية تواجه أكثر من علامة استفهام.
فآخر اجتماع يعود إلى 22 يوليوز، أي أن الغياب امتد إلى أكثر من شهر، بينما لا يشترط القانون حضور جميع أعضاء الحكومة لانعقاد المجلس، وإنما حضور الأغلبية.
وبالتالي، فإن غياب بعض الوزراء بسبب العطلة لا يفسر وحده توقف مؤسسة يفترض أن تجتمع أسبوعيا.
الأكثر من ذلك أن الحكومة لم تقل أصلا إن العطلة هي سبب عدم الانعقاد.
والانتخابات؟ الحكومة السابقة تقول عكس ذلك
فرضية الانتخابات تبدو بدورها ضعيفة.
ففي سنة 2021، وعلى الرغم من اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، لم تتوقف اجتماعات مجلس الحكومة. فقد انعقد المجلس في 23 غشت، ثم عقد اجتماعه الأخير في 6 شتنبر، أي قبل يومين فقط من موعد الاقتراع.
بمعنى آخر، لم تمنع الانتخابات حكومة سعد الدين العثماني من عقد اجتماعاتها.
فلماذا تمنعها اليوم؟
حين يصبح الخلاف داخل الأغلبية عنوانا
هنا تظهر الفرضية الأكثر إثارة: هل أصبح التوتر داخل الأغلبية الحكومية عائقا أمام انعقاد مجلس الحكومة؟
فالأسابيع الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على انتقال الخلاف بين مكونات الأغلبية من الكواليس إلى العلن، خصوصا بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
ولم يعد الأمر مجرد اختلاف في التقديرات أو تنافس انتخابي طبيعي، بل تحوّل إلى تبادل للاتهامات والردود السياسية، كان آخر فصوله المواجهة بين راشيد الطالبي العلمي وفوزي لقجع، بعد اتهامات باستعمال الترهيب والترغيب لاستمالة منتخبي الأحرار.
لقجع، الذي أصبح قياديا في حزب الأصالة والمعاصرة إلى جانب موقعه الحكومي، اختار الرد علنا، في مشهد يكشف حجم التوتر الذي بات يطبع علاقة مكونات الأغلبية.
لقجع يدخل على الخط.. والحكومة خارج الاجتماع
المفارقة أن أحد أبرز أطراف هذا السجال هو وزير داخل الحكومة نفسها.
ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الصراع السياسي بين مكونات الأغلبية، يغيب الإطار المؤسساتي الذي يفترض أن يجمع هؤلاء الوزراء حول طاولة واحدة.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الخلاف الحزبي لتطرح سؤالا عن قدرة الأغلبية على الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام الحكومي، خصوصا في الأسابيع الأخيرة من الولاية وقبل الدخول في استحقاق انتخابي حاسم.
القانون واضح.. لكن «المانع» مجهول
المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 065.13 تنص على أن مجلس الحكومة «يعقد مرة في الأسبوع على الأقل، إلا إذا حال مانع من ذلك».
القانون، إذن، وضع قاعدة واضحة وترك استثناءً مفتوحا.
لكن المشكلة أن الحكومة لم تقل ما هو هذا «المانع».
هل هو ظرف أمني؟
هل هو مانع سياسي؟
هل هو مرتبط بالعطلة؟
أم أن الأمر يتعلق بحسابات انتخابية وحزبية؟
كل هذه الأسئلة تظل بلا جواب رسمي.
غياب المجلس.. أم غياب الانسجام؟
ربما لا تكمن أهمية توقف مجلس الحكومة في عدد الأسابيع التي لم يجتمع خلالها فقط، وإنما فيما قد يكشفه هذا التوقف عن طبيعة العلاقة داخل الأغلبية.
فالحكومة التي تواجه أزمة سبتة، وتداعيات الهجرة، وتصاعد الاحتقان السياسي بين مكوناتها، يفترض أن تكون أكثر حاجة إلى الاجتماع والتنسيق، لا إلى الغياب.
ومن هذه الزاوية، يصبح عدم انعقاد المجلس خبرا سياسيا في حد ذاته.
لأن المسألة لم تعد فقط: متى سيجتمع مجلس الحكومة؟
بل أصبحت: لماذا لم يعد الوزراء يجتمعون أصلا؟
وإذا كانت الحكومة تملك سببا قانونيا واضحا لتعليق اجتماعاتها، فلماذا لا تقوله للرأي العام؟
أما إذا كان «المانع» سياسيا، فإن الصمت لا يؤدي إلا إلى تقوية فرضية أن الخلافات داخل الأغلبية بدأت تفرض إيقاعها على العمل الحكومي.
فحين تتوقف الحكومة عن الاجتماع، بينما تستمر الأزمات في التراكم والخلافات في التصاعد، يصبح السؤال الأكثر إزعاجا: هل تعطل مجلس الحكومة لأن الحكومة متعثرة، أم أن تعثر الحكومة هو الذي عطّل مجلسها؟





