
تحولات السوق العقاري بين دينامية الاقتصاد ورهانات السكن
بعد بداية سنة اتسمت بتراجع سوق العقار، حمل الفصل الثاني من 2026 مؤشرات واضحة على عودة النشاط، لكن هذه العودة تكشف مفارقة اجتماعية واقتصادية لافتة: السوق تتحسن، بينما لا تتحرك قدرة الأسر بالوتيرة نفسها، فوفق التقرير المشترك لبنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، ارتفع مؤشر أسعار الأصول العقارية بـ0.7% فصلياً، مدفوعاً بارتفاع أسعار السكن بـ1%، والأراضي بـ0.6% والعقار المهني بـ0.4%، فيما قفز عدد المعاملات بـ11%.
وتزداد دلالة هذه الأرقام أمام مؤشر ثقة الأسر الذي تراجع إلى 60.1 نقطة خلال الفصل الثاني، مقابل 64.4 نقطة في الفصل السابق، وإن ظل أعلى من مستواه قبل عام، وهكذا تبدو عودة الطلب العقاري متقدمة على المزاج الاقتصادي العام للأسر.
الأرض تتصدر المشهد.. والطلب يسبق الأسعار
الرقم الأكثر إثارة ليس ارتفاع أسعار الأراضي، وإنما القفزة الكبيرة في معاملاتها، فقد ارتفعت الأسعار بـ0.6% فقط، مقابل زيادة بلغت 21.8% في عدد المعاملات خلال ثلاثة أشهر، ويعني ذلك أن السوق شهدت توسعاً قوياً في التداول دون أن تواكبه زيادة مماثلة في الأسعار.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة لأن الأرض تمثل بالنسبة إلى شريحة من الأسر والمستثمرين أصلاً يمكن الاحتفاظ به على المدى الطويل، كما تتيح البناء وفق الإمكانات والاحتياجات بدل اقتناء عقار جاهز، لكن الأرقام وحدها لا تحسم دوافع هذا الطلب، ما يجعل طفرة المعاملات مؤشراً يحتاج إلى قراءة أوسع لتطور العرض والطلب والتهيئة العمرانية.
أما السكن، فارتفعت أسعاره بـ1%، مع زيادة الشقق بـ1% والمنازل بـ0.3% والفيلات بـ3.3%.. وفي المقابل، ارتفعت المعاملات بـ6.3%، مدفوعة بزيادة معاملات المنازل بـ25.4% والفيلات بـ34% والشقق بـ5.2%.
طنجة والرباط.. الأرض تقود المنافسة
تكشف المدن الكبرى تفاوتاً لافتاً في دينامية السوق.. ففي طنجة ارتفعت الأسعار بـ2.3%، وقفزت أسعار الأراضي بـ7.3%، بينما ارتفعت معاملات الأراضي بـ54.9%، وفي الرباط زادت الأسعار بـ1.9%، لكن إجمالي المعاملات قفز بـ61.2%.
و ارتفعت الاسعار في الدار البيضاء بـ0.5%، مدفوعة بزيادة الأراضي بـ1.8%، فيما قفزت مبيعاتها بـ41.4%، مقابل تراجع مبيعات السكن بـ2.2%، أما مراكش، فسجلت ارتفاعاً في الأسعار بـ0.5% والمعاملات بـ18.3%، مع زيادة مبيعات الأراضي بـ37.8%.
انتعاش اقتصادي.. واختبار للسياسة السكنية
ارتفعت أسعار العقار بـ0.7% على أساس سنوي والمعاملات بـ6.3%، فيما سجل العقار المهني قفزة في معاملاته بلغت 31.9%.
و فيما يمكن لهذا الانتعاش أن يدعم البناء والاستثمار والأنشطة المرتبطة بالعقار اقتصاديا، فاجتماعياً، تظل عودة السوق إلى الحركة غير كافية وحدها للإجابة عن أزمة الولوج إلى الملكية.
وهنا تنتقل المسألة من مجرد حركة في السوق إلى اختبار للسياسات العمومية: هل تستطيع مواكبة الطلب بعرض عقاري ملائم، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتوجيه التوسع العمراني بما يحد من الفوارق المجالية؟ فنجاح السوق لا يقاس فقط بعدد العقارات التي بيعت أو بنسبة ارتفاع الأسعار، بل أيضاً في جعله فرصة لتوسيع دائرة التملك، بدل أن تتحول الأرض والسكن إلى أصول تزداد قيمتها بالنسبة إلى من يملكهما، وأكثر بعداً بالنسبة إلى من لا يزال يحاول شراءهما.





