الرئسيةسياسة

سانشيز يبرئ المغرب من أزمة سبتة

بين نفي إسباني قاطع لأي ضلوع مغربي، وتقرير استخباراتي يتحدث عن حملة رقمية عابرة للحدود حشدت آلاف الراغبين في الوصول إلى سبتة، تتجه الأنظار إلى الفضاء الإلكتروني بحثا عن خيوط جديدة لفهم ما جرى يومي 30 و31 يوليوز 2026.

لم تكن موجة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد تحرك ميداني مفاجئ، وفق ما تكشفه معطيات تقرير استخباراتي إسباني؛ إذ سبقتها، بحسب التقرير، عملية تعبئة واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري، شاركت فيها حسابات ومجموعات موزعة على عدة دول، وحققت منشوراتها ملايين المشاهدات.

وفي المقابل، يرفض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وضع المغرب في دائرة الاتهام، مؤكدا أن أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها مدريد لم ترصد أي دليل على مسؤولية السلطات المغربية عن تلك الأحداث.

سانشيز يحسم موقف مدريد

خرج بيدرو سانشيز، اليوم الإثنين، ليضع الرواية الرسمية الإسبانية في مواجهة التكهنات التي ربطت موجة الهجرة بدور محتمل للسلطات المغربية.

وقال رئيس الحكومة الاشتراكية، في حديث لإذاعة «كادينا سير»، إن أيا من أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها الحكومة الإسبانية لم يسجل «أدنى شك» في ضلوع المغرب، أو حتى أشار إلى احتمال تحمله مسؤولية الأحداث «بطريقة أو بأخرى».

وبذلك، تبدو مدريد حريصة على الفصل بين موجة الهجرة المفاجئة وبين أي اتهام مباشر للرباط، في وقت لا يزال فيه السؤال حول الجهة التي ساهمت في تعبئة المهاجرين مفتوحا.

11 مليون مشاهدة قبل الانفجار

المعطى الأكثر إثارة في القضية لا يرتبط فقط بعدد الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى سبتة، وإنما بحجم النشاط الرقمي الذي سبق العملية.

فتقرير استخباراتي إسباني أعده المحلل المتخصص في قضايا الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي، تشيما خيل، تحدث عن حملة تعبئة رقمية بدأت في وقت مبكر من شهر يوليوز، قبل أن تتسارع وتيرتها قبيل موجة الهجرة الجماعية.

وبحسب التقرير، حصدت المضامين الرقمية التي شجعت على التوجه نحو سبتة أكثر من 11 مليون مشاهدة، ما يكشف، وفق القراءة التي يقدمها التقرير، عن قدرة كبيرة على الوصول إلى جمهور واسع خلال فترة زمنية قصيرة.

شبكة عابرة للحدود

المثير في التقرير أن عملية التعبئة لم تكن محصورة في بلد واحد.

فالحسابات والمجموعات التي رصدها معد التقرير كانت موزعة، بحسب المعطيات الواردة فيه، بين المغرب والجزائر وتونس وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وتضمنت المضامين المتداولة رسائل تحفيزية، ومعلومات لوجستية، وإرشادات بشأن طرق الوصول، فضلا عن محتويات تتعلق بكيفية عبور الحاجز البحري في منطقة «تراخال».

وهو ما يدفع التحقيق إلى تجاوز سؤال «من دعا إلى الهجرة؟» نحو سؤال أكثر تعقيدا: كيف تحولت منشورات متفرقة على الإنترنت إلى تعبئة جماعية واسعة على الأرض؟

قرار المحكمة العليا يشعل وتيرة المنشورات

ويربط التقرير بين التصعيد الرقمي وبين قرار أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في مطلع يوليوز 2026.

وقضى القرار، وفق ما أورده التقرير، بأن الأشخاص الذين يدخلون إلى سبتة عن طريق البحر لا يمكن إعادتهم بشكل فوري.

وبعد صدور القرار، سجل التقرير ارتفاعا ملحوظا في النشاط الرقمي المرتبط بالهجرة إلى المدينة المحتلة، مع انتشار مضامين تتحدث عن طرق الوصول وإمكانات العبور.

وبذلك، يطرح التسلسل الزمني الذي اعتمده التقرير فرضية مفادها أن القرار القضائي وفر، على الأقل، عاملا محفزا لانتشار رسائل الهجرة، قبل أن تبلغ التعبئة ذروتها في نهاية يوليوز.

استخبارات المصادر المفتوحة تلاحق الخيوط

استند التقرير، الذي يقع في 70 صفحة، إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة، المعروفة اختصارا بـ«أو إس آي إن تي»، وإلى استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي «سوسيمنت».

وعبر هذه الأدوات، حاول معد التقرير إعادة بناء المسار الرقمي للحملة، من خلال تتبع الحسابات والمجموعات والمجتمعات الإلكترونية، ورصد تطور الرسائل والمعلومات المتداولة بينها.

ولم يقتصر الأمر على رصد الدعوات إلى الهجرة، بل شمل أيضا متابعة المحتويات التي قدمت معلومات عملية حول طرق التحرك والوصول ونقاط العبور.

المغرب خارج دائرة الاتهام.. حتى الآن

في مقابل هذه المعطيات، جاء موقف بيدرو سانشيز واضحا في استبعاد أي مسؤولية مغربية.

فالحكومة الإسبانية، بحسب رئيسها، لم تتلق من أجهزة الاستخبارات التي تعتمد عليها أي معلومة تشير إلى تورط السلطات المغربية في التحركات الجماعية التي شهدتها سبتة.

وهذا المعطى مهم سياسيا وأمنيا، خصوصا في ظل حساسية ملف الهجرة بين الرباط ومدريد، حيث سبق أن شكلت موجات الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية نقطة توتر متكررة في العلاقات بين البلدين.

من يقف خلف التعبئة؟

المفارقة الأساسية في القضية أن الرواية الرسمية الإسبانية تنفي وجود دليل على تورط المغرب، بينما يقدم التقرير الاستخباراتي صورة عن حملة منظمة نسبيا على المستوى الرقمي، شاركت فيها حسابات من دول متعددة.

لكن التقرير، وفق المعطيات المتاحة، لا يقدم دليلا يثبت أن هذه الشبكات كانت تدار من قبل حكومة أو جهاز أمني بعينه، كما أن وجود حسابات في بلد ما لا يعني بالضرورة تورط سلطات ذلك البلد.

لذلك، فإن السؤال الأكثر إلحاحا لا يتعلق فقط بهوية أصحاب الحسابات، وإنما بمدى وجود جهة منظمة تقف خلف عملية التعبئة، وما إذا كانت الحملة الرقمية عفوية ومتعددة المصادر أم جزءا من عملية أكثر تنسيقا.

وبينما تقول مدريد إن المغرب ليس مسؤولا عن موجة الهجرة، تكشف المعطيات الاستخباراتية عن مسار رقمي سبق الانفجار الميداني بأيام، ما يجعل شبكات التواصل الاجتماعي أحد المفاتيح الرئيسية لفهم ما حدث في سبتة يومي 30 و31 يوليوز.

وفي انتظار ما قد تكشفه التحقيقات الإسبانية لاحقا، تبقى الحقيقة الأبرز أن آلاف الأشخاص لم يصلوا إلى محيط سبتة فجأة ومن دون مقدمات؛ فقد سبقت خطواتهم على الأرض ملايين المشاهدات والمنشورات والرسائل التي انتشرت عبر فضاء رقمي عابر للحدود.

وكانت أدخلت الحكومة الإسبانية أزمة سبتة المحتلة مرحلة جديدة من الاستنفار الرسمي، بعدما قررت التعامل مع التدفق غير المسبوق للمهاجرين إلى المدينة باعتباره قضية مرتبطة بالأمن القومي، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي خلفتها موجة الوصول الجماعي خلال الأسابيع الماضية، وما ترتب عنها من تحديات أمنية وإنسانية واجتماعية.

و كان أعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في وقت سابق، عقب اجتماع استثنائي لمجلس الأمن القومي، اعتماد سبتة كمنطقة تحظى بـ«اهتمام للأمن القومي»، بالتوازي مع تشكيل قيادة موحدة لتنسيق تدخل مختلف الإدارات والوزارات، بهدف احتواء تداعيات الأزمة وإعادة المدينة تدريجيا إلى الوضع الذي كانت عليه قبل اندلاع موجة الهجرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى