الرئسيةسياسة

لقجع يعد المغاربة بالحلول.. لكن ماذا عن5 سنوات من تدبير الميزانية؟

وضع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، القدرة الشرائية والصحة والتعليم والشباب والفوارق المجالية في صدارة الوعود الانتخابية لحزبه، معلنا أن الحزب، الذي انتمى له مؤخرا، سيكشف، الثلاثاء فاتح شتنبر، عن تشخيصه لهذه الملفات والحلول التي يقترحها، مرفقة بالأرقام والجدولة الزمنية.

أين تبدأ مسؤولية صاحب القرار وتنتهي مسؤولية الوعود الانتخابية؟

لكن تصريحات لقجع تفتح، في المقابل، سؤالا سياسيا أكثر إلحاحا: أين تبدأ مسؤولية صاحب القرار وتنتهي مسؤولية الوعود الانتخابية؟

فلقجع لم يقدم نفسه خلال اللقاء التواصلي لحزب الأصالة والمعاصرة بأجلموس باعتباره مجرد قيادي حزبي يعرض برنامجا انتخابيا، بل تحدث أيضا بصفته المسؤول الحكومي الذي كان، طوال الولاية الحكومية، في قلب صناعة الميزانية وتحديد أولويات الإنفاق والسياسة المالية للدولة.

وقال لقجع إن حزبه يملك تشخيصا لمشكلة القدرة الشرائية، مؤكدا أن المغاربة «لا ينبغي أن يتعذبوا لتوفير قوتهم اليومي»، ودعا الفرقاء السياسيين إلى مناقشة مقترحات حزبه «بالفكر والأرقام».

كما وضع الشباب والصحة والتعليم والفوارق المجالية ضمن الملفات الأساسية التي يقول الحزب إنه أعد لها حلولا، متعهدا بتقديم برنامج يمتد لخمس سنوات، في حال منح الناخبون ثقتهم لحزب الأصالة والمعاصرة.

الأكثر إثارة في خطاب لقجع كان حديثه عن «تعاقد» مع المواطنين، مؤكدا أن هذا التعاقد سيكون محل محاسبة «أمام الله وأمام الوطن».

استحضار مفهوم المحاسبة يفرض سياسيا طرح سؤال سابق على أي تعاقد جدي..حصيلة 5 سنوات الماضية

غير أن استحضار مفهوم المحاسبة يفرض، سياسياً، طرح سؤال سابق على أي تعاقد جديد: ماذا عن حصيلة السنوات الخمس التي كان فيها لقجع أحد أبرز الفاعلين في تدبير المالية العمومية؟

من صناعة الميزانية إلى البحث عن حلول للقدرة الشرائية

فالقدرة الشرائية التي يقدمها لقجع اليوم باعتبارها «مشكلاً حقيقياً» لم تكن قضية مستجدة مع اقتراب الانتخابات، بل كانت واحدة من أبرز الملفات التي طبعت السنوات الماضية، في ظل ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات وتراجع قدرة شرائح واسعة من الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة.

ومن هنا، فإن تقديم المشكلة باعتبارها تحدياً سياسياً مستقبلياً فقط قد يثير انطباعاً بأن المسؤولية تبدأ مع البرنامج الانتخابي الجديد، بينما السؤال الطبيعي هو: ما الذي فعلته السياسات المالية والميزانيات السابقة لمعالجة هذا الوضع؟

وينطبق الأمر نفسه على عدد من الملفات التي أدرجها لقجع ضمن وعود حزبه، خصوصاً التشغيل والشباب والصحة والتعليم والفوارق المجالية.

فإذا كان الحزب قد وصل اليوم إلى «تشخيص عميق» لهذه الإشكالات ويمتلك حلولاً «بالأرقام والجدولة الزمنية»، فإن الرأي العام يملك الحق في معرفة لماذا لم تتحول هذه الحلول إلى سياسات عمومية ملموسة خلال السنوات الماضية، ومن يتحمل مسؤولية عدم تنفيذها إن كانت جاهزة أصلاً؟

الامتيازات والسياسة المالية.. سؤال الأولويات

ويزداد هذا السؤال حساسية عندما يتعلق الأمر بالسياسة المالية، التي يفترض أن تعكس اختيارات الدولة في توزيع الموارد والأعباء بين مختلف الفئات والقطاعات.

فخلال السنوات الماضية، وُجهت انتقادات متكررة للسياسات التي استفاد بموجبها كبار الفاعلين الاقتصاديين، ومن ضمنهم كبار التجار والفلاحون، من تحفيزات وامتيازات وإجراءات مالية وجبائية مختلفة، في وقت ظلت فيه القدرة الشرائية للأسر والتفاوتات الاجتماعية والمجالية من أبرز مصادر القلق لدى المواطنين.

ومن هذه الزاوية، فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يمتلك اليوم حلولاً للقدرة الشرائية، وإنما أيضاً بمعايير ترتيب الأولويات التي حكمت صناعة الميزانية خلال السنوات السابقة، وبمن استفاد من الاختيارات المالية، ومن تحمل كلفتها الاجتماعية.

وبالتالي، فإن الحديث عن «تعاقد» جديد مع المواطنين لا يمكن فصله عن التعاقد السابق، ولا عن تقييم الحصيلة والمساءلة عن القرارات التي اتخذت فعلياً، لا عن الوعود التي ستقدم لاحقاً.

يحتل تقييم ما تحقق خلال السنوات 5 الماضية المساحة نفسها في خطاب الوعود

سياسيا، يبدو خطاب لقجع وكأنه ينقل النقاش من سؤال المسؤولية عن الحصيلة إلى سؤال الثقة في البرنامج المقبل. فهو يقدم نفسه وحزبه باعتبارهما يمتلكان التشخيص والحلول، ويدعوان المواطنين إلى منحهما فرصة جديدة لتنفيذها، من دون أن يحتل تقييم ما تحقق خلال السنوات الخمس الماضية المساحة نفسها في الخطاب.

وهنا تكمن المفارقة: الرجل الذي كان في قلب إعداد الميزانيات وتحديد الخيارات المالية للدولة يتحدث اليوم عن القدرة الشرائية كأنها ملف ينتظر الحل في المستقبل، وليس مشكلة ترتبط أيضا بالسياسات والاختيارات التي شارك في صياغتها خلال الولاية السابقة.

أما الحديث عن «المحاسبة أمام الله والوطن»، فيستدعي سياسيا سؤالا أكثر مباشرة: لماذا تكون المحاسبة مؤجلة إلى نهاية التعاقد المقبل، ولا تبدأ أولا من تقييم المسؤوليات والقرارات السابقة؟

الانتخابات لحظة لتقييم الحصيلة ومساءلة المسؤولين عن اختياراتهم

فالانتخابات ليست فقط مناسبة لتقديم وعود جديدة، وإنما هي أيضاً لحظة لتقييم الحصيلة ومساءلة المسؤولين عن اختياراتهم. وإذا كان لقجع يطالب خصومه بمناقشة برنامجه «بالفكر والأرقام»، فإن المنطق نفسه يقتضي أن يخضع هو وحزبه للحوار ذاته حول أرقام الميزانيات السابقة، وتوزيع الدعم والامتيازات، وتطور الأسعار، والقدرة الشرائية، وحصيلة التشغيل والصحة والتعليم، ومن استفاد فعلياً من السياسة المالية ومن تحمل كلفتها.

وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام خطاب لقجع ليس فقط أن يثبت أن لديه حلولا للمغرب خلال السنوات الخمس المقبلة، بل أن يجيب أولا عن سؤال الحاضر والماضي: إذا كانت هذه الحلول موجودة اليوم، فلماذا لم تكن أولوية خلال السنوات التي كان فيها هو نفسه أحد أبرز صانعي القرار المالي في البلاد؟

اقرأ أيضا…

لقجع يهاجم الأحرار.. لكن من يحاسب شريك الأمس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى