الرئسيةحول العالمميديا وإعلام

السعودية..فلسطين والنووي مقابل التطبيع

لم تعد السعودية تنظر إلى ملف التطبيع مع إسرائيل باعتباره محطة تنتظر الوصول إليها، بل تحول الملف إلى ورقة تفاوضية واسعة تستخدمها الرياض لتعزيز موقعها الإقليمي والحصول على مكاسب أمنية ونووية وسياسية أكبر.

وفي إسرائيل، تتزايد القناعة بأن المملكة عادت إلى قلب معادلات الشرق الأوسط، لكن ليس بالشروط التي كانت مطروحة قبل حرب غزة.

فبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جمع التعاون النووي المدني مع تعزيز التحالف السعودي الأمريكي ودفع مسار التطبيع مع إسرائيل داخل صفقة واحدة، تبدو الرياض أكثر قدرة على فرض شروطها، مستفيدة من ثقلها العربي والإسلامي وموقعها الاقتصادي والاستراتيجي.

الرياض لم تعد تنتظر العرض.. بل ترفع كلفة الصفقة

يرى الخبير الأمني والاستراتيجي الإسرائيلي عوزي رابي أن الاتفاق النووي المدني المطروح بين الولايات المتحدة والسعودية أعاد المملكة إلى صدارة النقاش الإقليمي، بعدما أثار في واشنطن تساؤلات واسعة حول تبعاته السياسية والأمنية.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن في الجانب النووي وحده، إذ تسعى إدارة ترامب إلى تحويله إلى جزء من ترتيبات أكبر تشمل تثبيت التحالف مع الرياض، وربط ذلك بخطوات سعودية باتجاه التطبيع مع إسرائيل.

وهنا تحديداً تبدو المعادلة مختلفة عن السابق؛ فالسعودية لم تعد الطرف الذي يُطلب منه تقديم تنازل سياسي مقابل حزمة من الحوافز الأمريكية، وإنما أصبحت تمتلك بدورها أوراق ضغط تستطيع استخدامها للحصول على أثمان أعلى.

من “عقبة فلسطينية” إلى شرط سعودي

قبل اندلاع الحرب في غزة، كان الاعتقاد السائد في إسرائيل أن الوصول إلى اتفاق مع الرياض بات قريباً، وأن تقديم تنازل محدود للفلسطينيين قد يكون كافياً لتمرير الصفقة.

لكن الحرب قلبت الحسابات.

فالقضية الفلسطينية لم تعد في نظر السعودية تفصيلاً يمكن تجاوزه في طريق التطبيع، بل تحولت إلى عنصر أساسي في شروط الاتفاق. وتطالب الرياض اليوم بمسار سياسي موثوق يقود إلى إقامة دولة فلسطينية، في وقت بات فيه أي اتفاق مع إسرائيل دون مكاسب واضحة للفلسطينيين أكثر كلفة على صورتها ومكانتها في العالم العربي والإسلامي.

وبذلك، انتقل الفلسطينيون من موقع “العقبة” أمام التطبيع إلى جزء من الثمن الذي تطلبه السعودية مقابل الانخراط في الصفقة.

حرب غزة غيّرت الحسابات السعودية

ولا يربط رابي التحول السعودي بالموقف من الحرب في غزة وحده، بل يراه جزءاً من مراجعة أوسع لطريقة تعامل الرياض مع النظام الإقليمي.

فالحرب أظهرت، من وجهة النظر السعودية، أن الاعتماد على مظلة أمنية واحدة لا يوفر بالضرورة كل الضمانات المطلوبة، حتى لو بقي التحالف مع واشنطن محوراً أساسياً في السياسة السعودية.

ومن هنا اتجهت الرياض إلى توسيع شبكة علاقاتها مع قوى أخرى، بينها تركيا وباكستان، في إطار سياسة تقوم على توزيع المخاطر وتعدد الشراكات، بدلاً من الارتهان الكامل إلى قوة واحدة.

تركيا توفر ثقلاً عسكرياً وصناعياً، وباكستان تمثل بالنسبة إلى الرياض عمقاً استراتيجياً، بينما تمتلك السعودية الموارد المالية والمكانة الدينية والوزن العربي.

واشنطن تحتاج السعودية.. والسعودية تحتاج واشنطن

ورغم اتساع هامش الحركة السعودي، لا يعني ذلك أن الرياض بصدد إدارة ظهرها للولايات المتحدة.

على العكس، فإن مطالبتها بتعاون نووي أمريكي واسع، وبأسلحة متطورة وضمانات أمنية، تكشف استمرار أهمية واشنطن بالنسبة إليها.

لكن الجديد هو أن السعودية لم تعد تريد أن يكون هذا الاعتماد أحادياً.

فالرياض تسعى إلى علاقة أمريكية قوية، ولكن من موقع أكثر استقلالاً، يسمح لها ببناء شراكات متوازية مع قوى إقليمية ودولية أخرى، بما يمنحها مساحة أكبر للمناورة في بيئة شرق أوسطية شديدة التقلب.

التخصيب النووي.. العقدة التي تقلق إسرائيل

وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية بالنسبة إلى إسرائيل: البرنامج النووي السعودي.

فبينما ترغب واشنطن في استخدام التعاون النووي لتعزيز ارتباط الرياض بها، تخشى إسرائيل من أن يؤدي منح السعودية قدرات نووية متقدمة، وخصوصاً في مجال التخصيب، إلى خلق سابقة يمكن أن تغير توازنات القوى في المنطقة.

ولهذا تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة دقيقة: هي تريد سعودية أكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة، وأكثر انخراطاً في منظومة إقليمية مشتركة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن يؤدي ذلك إلى ولادة مسار نووي قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي.

إسرائيل تريد “السعودية الحليفة”.. لكن ليس بأي ثمن

من وجهة النظر الإسرائيلية، يبقى التطبيع مع السعودية المكسب الأكبر الذي يمكن أن يضاف إلى اتفاقيات أبراهام.

فالمملكة ليست دولة خليجية أخرى، بل قوة عربية وإسلامية ذات ثقل اقتصادي وديني وسياسي استثنائي، وأي اتفاق معها يمكن أن يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

لكن المشكلة أن الطريق إلى الرياض لم يعد سهلاً كما كان قبل الحرب.

إيران، والأمن الإقليمي، والاستثمارات، والتكنولوجيا، والممرات التجارية، والعلاقات مع واشنطن، كلها ملفات تشكل أرضية مشتركة يمكن أن تدفع باتجاه التقارب. غير أن هذه المصالح باتت محكومة بشروط سعودية أكثر وضوحاً، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني والضمانات الأمنية والبرنامج النووي.

قلب المثلث.. السعودية تمسك بأوراق واشنطن وإسرائيل

وهكذا تبدو المعادلة الجديدة أشبه بمثلث مقلوب.

ترامب يريد صفقة تجمع السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الرياض لا تدخلها كطرف ينتظر ما سيُعرض عليه، وإنما كقوة تمتلك أوراقاً تفاوضية خاصة بها.

واشنطن تريد التحالف السعودي، وإسرائيل تريد التطبيع، والسعودية تريد في المقابل ضمانات أمنية، وتعاوناً نووياً متقدماً، ومكاسب سياسية للفلسطينيين، ومساحة أكبر للاستقلال عن الاعتماد على شريك واحد.

وهذا ما يجعل المملكة اليوم في موقع مختلف تماماً عما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.

التطبيع لم يسقط.. لكنه أصبح أغلى

لا يعني هذا التحول أن السعودية أغلقت الباب أمام إسرائيل. فالمصالح التي دفعت الطرفين إلى التفكير في التطبيع ما زالت قائمة، وربما ازدادت أهمية بعضها.

لكن ما تغير هو سعر الصفقة.

فإسرائيل التي كانت تنظر إلى التطبيع مع السعودية باعتباره تتويجاً استراتيجياً لاتفاقيات أبراهام، تجد نفسها اليوم أمام المملكة وهي تدخل التفاوض بشروط أكثر، وأوراق أكثر، وخيارات أوسع.

ولهذا فإن عودة السعودية إلى مركز الاهتمام الإسرائيلي لا تعني أن التطبيع بات أقرب، وإنما قد تعني العكس تماماً: أن الوصول إلى الرياض أصبح أكثر تعقيداً، لأن المملكة لم تعد تتعامل مع التطبيع كغاية بحد ذاته، بل كورقة ضمن مشروع أوسع لإعادة صياغة موقعها في المنطقة.

وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد: متى ستطبع السعودية مع إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا ستدفع واشنطن وتل أبيب مقابل موافقة الرياض؟

وهنا تحديداً تكمن المفارقة الجديدة؛ فالسعودية التي كانت تُنظر إليها باعتبارها “الجائزة الكبرى” للتطبيع، باتت هي الأخرى تتعامل مع هذه الجائزة باعتبارها ورقة تفاوض، وترفع ثمنها السياسي والأمني والاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى