
السيارات تملأ خزائن التصدير.. لكن هل تملأ جيوب المغاربة؟
تحرير: جيهان مشكور
“107,14 مليار درهم”.. رقم يكشف مرة أخرى كيف تحولت صناعة السيارات إلى واحدة من أهم أوراق المغرب في معركة التصدير.. حيث ارتفعت المبيعات الخارجية للقطاع خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بنسبة 14,9%، في استمرار لصعود صناعة أصبحت أحد أعمدة الاقتصاد التصديري المغربي.
لكن خلف هذا الرقم اللامع، يبرز سؤال أكثر أهمية من حجم الصادرات نفسها: “ماذا تضيف هذه المليارات إلى الاقتصاد المغربي، وماذا يصل منها إلى الذين يقفون خلف خطوط الإنتاج؟”
ماكينة السيارات ترفع السرعة
تكشف معطيات مكتب الصرف أن النمو شمل فروعاً رئيسية من صناعة السيارات، فقد قفزت صادرات قطاع التصنيع بنسبة 19,9%، لتصل إلى 42,48 مليار درهم، فيما ارتفعت مبيعات الأسلاك بنسبة 13,8% إلى 40,62 مليار درهم.
أما صادرات “الأجزاء الخارجية” فسجلت قفزة أكبر، بنسبة 47,9%، لتبلغ 3,42 مليار درهم.
تعكس هذه الأرقام توسعاً واضحاً في النشاط الصناعي وحضوراً متنامياً للمغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، وهو ما يمنح الحكومة ما يكفي للدفاع عن اختياراتها في استقطاب الاستثمارات الكبرى، لكن ارتفاع الصادرات لا يحسم وحده سؤال النجاح؛ فالمعيار الأهم هو “حجم القيمة التي تُخلق وتبقى داخل الاقتصاد الوطني”.
من تصدير السيارات.. أين القيمة
هنا يصبح الرهان أكبر من مجرد تصدير سيارات ومكونات أكثر، فكلما اتسعت الصناعة، تزداد الحاجة إلى “تعميق الاندماج المحلي”، ورفع حصة المقاولات المغربية من سلاسل التوريد، وإنتاج مكونات ذات قيمة أعلى، ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى النسيج الصناعي الوطني.
فالسياسة الصناعية لا تُقاس فقط بما يغادر الموانئ، وإنما أيضاً بما يُبنى داخل البلد: شركات وطنية أقوى، ومهارات أعلى، وتكنولوجيا لا تبقى حكراً على الشركات العالمية. كما أن هذه القيمة لا تنفصل عن العامل الذي يقف خلف خطوط الإنتاج.
حين تكبر الصادرات.. وتبقى الأجور تحت الضغط
ففي الوقت الذي تحقق فيه صناعة السيارات ومكوناتها عشرات المليارات من الدراهم في الصادرات، تطرح أوضاع العمال سؤالاً اجتماعياً لا يمكن تجاهله “كيف يعيش من يصنعون هذه الأرقام؟”.
وتقدم تجربة «الكابلاج» بطنجة مثالاً على هذه المفارقة، في ظل شكاوى وانتقادات بشأن “مستويات الأجور وضغط العمل وظروفه”، وما يرتبط بذلك من صعوبة في الاحتفاظ باليد العاملة ونفور بعض العمال من هذه الوظائف.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعدد المناصب التي يخلقها القطاع، بل “بنوعية العمل واستقراره وقدرته على توفير دخل لائق”، فوفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة 13% سنة 2025، ووصل إلى 37,2% لدى الشباب.. لذلك، فإن خلق وظيفة لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بداية سؤال آخر: هل هي وظيفة يستطيع العامل أن يبني عليها حياته؟ ما يجعل جودة التشغيل جزءاً من نجاح السياسة الصناعية، لا تفصيلاً هامشياً.
صادرات قوية.. وعجز تجاري يتسع
وتكتمل المفارقة عند النظر إلى الميزان التجاري، ففي الأشهر السبعة الأولى من 2026، ارتفعت صادرات المغرب بنسبة 8,4% إلى نحو 299,35 مليار درهم، لكن الواردات نمت بوتيرة أسرع، بنسبة 15,9 في المائة، لتبلغ حوالي 544,05 مليار درهم، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري بنسبة 26,5%.
لذلك، لا يكفي أن يحتفل المغرب بوصول صادرات السيارات إلى 107 مليار درهم.. فالرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه القوة التصديرية إلى “قيمة مغربية أكبر، ومقاولات وطنية أقوى، وأجور أفضل ووظائف أكثر استقراراً”،
وصلت السيارة المغربية إلى الأسواق العالمية، وأرقام يوليوز تؤكد أنها تواصل السير بسرعة، لكن نجاح النموذج الصناعي لن يكتمل عند بوابة المصنع أو في سجلات مكتب الصرف، بل عندما يشعر العامل والمقاول المغربي أن “جزءاً من هذه المليارات وصل إليه أيضاً”.





