
في السياسة، لا تكفي متابعة من يهاجم ومن يرد، بل الأهم محاولة فهم لماذا الآن، ومن قد يستفيد من المعركة؟
ومن هذه الزاوية، يصعب فصل التصعيد الذي يقوده إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، ضد فوزي لقجع، عن السياق الانتخابي، خصوصا أن المواجهة تأتي قبل أيام قليلة من انتهاء إيداع الترشيحات وانطلاق الحملة.
القانون في الواجهة.. والسياسة في الخلفية
يعتبر لشكر أن ترشح لقجع «غير ممكن نهائيا» وفق قراءته للقانون، غير أن الحسم في أهلية المرشحين يظل من اختصاص المؤسسات المخولة قانونا.
لذلك، فإن أهمية القضية لا ترتبط فقط بمضمونها القانوني، وإنما أيضا بتوقيتها. فإثارة الملف عشية الحملة تمنحه بالضرورة بعداً انتخابيا، سواء كان ذلك مقصودا أم مجرد نتيجة طبيعية للظرف السياسي.
لماذا لقجع تحديدا؟
لقجع ليس اسماً عادياً داخل «البام». فالرجل يدخل السياسة “حاملا رصيداًجماهيريا” صنعه في كرة القدم، وهو ما يمنحه حضوراً مختلفا عن كثير من الوجوه الحزبية التقليدية.
ولا يعني ذلك أن الشعبية الرياضية تتحول تلقائيا إلى أصوات، لكن وجود شخصية معروفة بهذا الحجم يمكن أن يشكل قيمة إعلامية ورمزية وانتخابية للحزب.
ومن هنا يمكن فهم حساسية استهدافه سياسياً، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مخطط لإضعافه.
حرب بالوكالة؟ أم مجرد مناورة؟
من بين القراءات الممكنة أن يكون التصعيد جزءاً من تنافس أوسع بين الأحزاب، أو ما يمكن وصفه بـ«حرب بالوكالة»، خصوصا إذا أدى إرباك لقجع إلى إضعاف موقع «البام» أو استنزافه انتخابيا.
لكن لا توجد معطيات تثبت وجود تنسيق مباشر بين لشكر وأي طرف آخر، ولذلك يبقى هذا السيناريو مجرد احتمال.
والأكثر بساطة أن تكون المسألة مجرد مناورة انتخابية: قضية مثيرة، اسم معروف، تغطية إعلامية واسعة، ثم ردود متبادلة تجعل أصحابها في قلب المشهد.
في هذه الحالة، قد يكون الهدف ليس إسقاط أحد، وإنما جذب الانتباه، استمالة المترددين، وتحريك النقاش الانتخابي وربما رفع نسبة المشاركة.
حين يصبح الضجيج بديلا عن البرامج
المشكلة تبدأ عندما تتحول المعارك السياسية إلى محور الانتخابات، بينما تتراجع الأسئلة التي تهم المواطن.
فالبطالة بلغت 14,7 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026، و37,6 في المائة لدى الشباب، وهي أرقام تجعل الناخب معنيا أكثر بمن يملك حلولاً للعمل والخدمات والأسعار، لا بمن انتصر في معركة التصريحات.
وقد تكون المعارك الانتخابية مفيدة في رفع الاهتمام السياسي، لكنها قد تصبح أيضا وسيلة لصناعة الضبابية إذا طغى الصراع على البرامج.
23 شتنبر.. الصناديق ستكشف المستفيد
في النهاية، لا يمكن الجزم بأن مواجهة لشكر ولقجع حرب مدبرة، أو مناورة انتخابية، أو خلاف قانوني صرف. كلها احتمالات، وبعضها قد يتقاطع مع الآخر.
لكن صناديق الاقتراع ستكون الاختبار الحقيقي:
هل تحولت هذه المعركة إلى أصوات؟ ومن استفاد فعلاً من الضجيج الذي سبق الانتخابات؟
فقد يعتقد طرف أنه يهاجم خصمه، بينما يكون قد منحه مساحة أكبر في المشهد. وقد يخوض آخر معركة لا يحصد ثمارها في النهاية.
والأهم أن لا تتحول الانتخابات إلى مجرد صراع على الواجهة، فيما يبقى الناخب ينتظر إجابات حقيقية عن مشاكله اليومية.





